عندما يجتمع المسؤولون في الدولة على مختلف مستوياتهم ومناصبهم ومشاربهم على القول بأنه لا توجد حدود لما يخططون فعله، وانه لا يوجد سقف لأهدافهم، وانهم سوف يمضون قدما طالما ارتأوا فرصا وإمكانيات لقطع شوط أكبر مدى، وعندما تتهافت تلك الأقوال إلى الآذان،

فلابد أن يستشعر المرء أن إرادة التقدم في الدولة ليست مجرد إرادة سياسية ولكنها أيضا إرادة مجتمعية، وربما يسبح بخياله بعيدا ليتصور أن السبب وراء عدم الكشف عن عدد طوابق برج دبي الذي يعد رمزا لنهضة الدولة ورقيها، هو أن المسؤولين لا يستسيغون فكرة أن تكون هناك نهاية لارتفاع أعلى برج في العالم، وأنهم ربما يخططون لإضافة أدوار أخرى إذا تمكنت بناية في العالم من بلوغ مستوى ارتفاع البرج، وذلك حتى يحتفظ البرج بلقبه كأطول برج في العالم.

وهكذا نحن إزاء إرادة تقدم تجتمع حولها مختلف شرائح المجتمع وقيادته، وتندفع مثل هذه الإرادة إلى الآفاق الرحبة من دون أية حدود أو أسقف طالما أن الواقع ينطوي على فرص وإمكانيات لبلوغ مستويات من التقدم أكثر علوا وارتفاعا، وهو ما يدعو إلى التساؤل: هل هناك في الواقع المعاش تقدم لا حدود له؟

وهل الأحاديث عن عدم وجود أسقف على الأهداف هو مجرد تعبير عن وجود رغبة عارمة وقوية لتحقيق الإنجاز والنجاح أم أنه تعبير عن سياسة شاملة وكلية تتطلع إلى ارتقاء سلم التقدم من دون نهايات؟ وبالطبع، يعتبر التقدم قيمة إنسانية مطلقة مثلها مثل قيم العدالة والحرية والمساواة، وتتميز هذه المنظومة من القيم بأنه لا يوجد حدود تحفها أو تحدها، لسبب بسيط، وهو كونها تشكل المحركات الرئيسية لتطور المجتمعات الإنسانية عبر مختلف العصور، ويقاس مدى نجاح مجتمع عن آخر بمقدار السعي لتحقيق مثل هذه المنظومة من القيم الإنسانية.

وبالتالي، عندما يلتف الجميع في الدولة حول هدف السعي لبلوغ أعلى درجات التقدم، نحن إذا بصدد حالة من الديناميكية والحيوية التي تجعل الأهداف الموضوعة مجرد محطات لبلوغ أهداف أخرى والتي ربما لا تكون منظورة أو محسوسة في مرحلة معينة، وربما نحن بالأحرى أمام حالة تكون فيها كافة الأهداف سواء منظورة أو ما ثلة مجرد أهداف وسيطة تتحرك على أرضية القيمة الإنسانية للتقدم.

وتفسر هذه الروح التواقة لصعود أعلى القمم، حركة التغييرات العميقة التي تشهدها كافة مناحي الحياة في الدولة، بحيث صار من الصعب على من قدر له أن يزورها منذ سنوات قليلة مضت، أن يتعرف على معالمها وأماكنها، بل وستنجذب أنظاره إلى الأراضي التي كانت في يوم من الأيام مجرد صحراء قاحلة، قد تحولت إلى مدن ومجتمعات تضارع تلك الموجودة في أكثر الدول تقدما، وجرى كل ذلك في سرعة تجعل المرء يعتقد أن الأرض قد انشقت ليصعد من باطنها في لمحة بصر أبراجا وأبنية ومنتجعات تزخر بها مختلف المناطق في الدولة.

وتفسر هذه الروح أيضا الرغبة العارمة التي تسيطر على عقول وأفئدة مختلف المسؤولين في الدولة في إرساء أفضل الممارسات وأرقى المعايير والمواصفات لدي إطلاق المشروعات في مختلف المجالات، ولا ينحصر الأمر هنا على المشروعات العقارية، بل يمتد ليشمل إطلاق المراكز التجارية والمالية والصناعية،

والأمر هنا ليس نسخا لما هو قائم في الدول والمجتمعات الأخرى، بل سعيا لبلوغ أعلى المقاييس في أية مكان طالما كانت موجودة على ظهر المعمورة، وبالتالي، يكون الرد المنطقي والعملي حول ماهية الأهداف المرجوة على مستوى أجندات عمل المنشآت والمشروعات والشركات، بل وعلى مستوى إستراتيجية الدولة، هو أنه لا توجد حدود على الأهداف، وذلك طالما رنا الجميع صوب تحقيق قيمة التقدم.