في آخر أيام فبراير الماضي.. كتب الدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق مقالا مهما نشرته صحيفة الهيرالدتربيون يحمل عنوانا لا تخفى دلالته المباشرة ويقول فيه: «لقد حان وقت المحادثات». ويتمحور هذا المقال - أو هذه الدعوة - على أساس أن الدبلوماسية كان ينبغي معاملتها من الأصل على أنها جزء جوهري من استراتيجية أميركا في العراق..
وبديهي أن ما يذهب إليه هنري كيسنجر هو ترجمة - عصرية إن شئت - للمقولة التي سبق إليها الاستراتيي الألماني كارل ؟ون كلاوزفيتز (1780 ـ 1831) ومفادها أن الحرب هي امتداد للدبلوماسية فكلها ذرائع وكلها وسائل لإدارة العلاقة بين أطراف أي صراع ابتداء من علاقة الحوار (الدبلوماسي) أو علاقة القتال (الحرب).
لكن الذي يسترعي الاهتمام في هذا المضمار هو تلك الدعوة التي يشدد عليها هنري كيسنجر من أجل عقد مؤتمر دولي يتولى في رأيه تعريف المحصلة التي آلت إليها حرب (أميركا) في بلاد الرافدين.. وأهم الدوافع في رأيه التي تشدد على أهمية هذا المؤتمر الدولي يتمثل في ما يرصده كيسنجر من إدانة متسعة النطاق توجه إلى أميركا إزاء سلوكها في العراق، دون أن يبدي أي بلد آخر استعداده في المشاركة في عملية استكشاف جادة للآثار السياسية الناجمة عن معطيات الموقف لا في اللحظة الراهنة ولا في المستقبل المنظور.
ونلاحظ أيضا من سطور كيسنجر تلميحه الي أن ثمة خطرا أو ثمة شرارات يمكن أن تنتقل من الأتون العراقي المشتعل حاليا إلى حيث تصيب شظاياها أو شعلتها أقطارا أخرى سواء في الجوار الإقليمي المباشر (الشرق الأدنى) أو في الجوار الأوسع (الشرقين الأوسط إلى جنوب شرقي آسيا وكيسنجر لا يستثني في هذا بلدا مثل الهند الذي يعده - وهذا هو صحيح - ثاني بلد إسلامي من حيث عدد السكان المسلمين.
فضلا عن إندونيسيا بوصفها أكبر بلد إسلامي من حيث حجم السكان وفي هذه القائمة من الكيانات - الأقطار المرشحة لمثل هذه الأخطار بلدان مثل تركيا التي يلاحظ السياسي الأميركي أنها مازالت تعاني توترات في مناطق الأكراد التي تضمها وهناك أيضا ماليزيا.. وباكستان.. وروسيا ذات الجنوب المسلم كما يصفه كيسنجر الذي يضم إلى هذا التحذير حتى أقطار غرب أوروبا وصولا - في رأيه - إلى الصين نفسها في نهاية المطاف.
ونحسب أن الدكتور كيسنجر كان يعبر بمثل هذه الدعوة، فضلا عن مثل هذه التحذيرات رغم المبالغة في طرحها - عن التيار الذي تحول في الآونة الأخيرة ليصبح فاعلا ومؤثرا في مجريات السياسة والاستراتيجية الأميركية وهو تيار الواقعية السياسية
وتأتي دعوة كيسنجر..
ومعه فريق الواقعية السياسية في ضوء بيئة متغيرة باتت تحيط عمليات صنع القرار الاستراتيجي في واشنطون وفي إطار هذه البيئة صدرت مؤخرا أفكار ودراسات منها مثلا الكتاب الذي أصدره اثنان من كبار أساتذة العلاقات والشئون الدولية في الولايات المتحدة وهما ستيفان هالير وجوناثان كلارك بعنوان «عندما يصمت الرشد» وهو الكتاب الذي يعلن بداية أنه يتناول «أسباب فشل السياسة الخارجية الأميركية».
ويرى المؤلفان أن هذا الفشل يرجع بالدرجة الأولى إلى ما يصفانه بأنه إتباع «الأفكار الكبيرة أو المتضخمة» التي سيطرت على صانع القرار وكان أن أفضت إلى تهميش علماء السياسة وخبرائها. فكان أن أحلّت النوازع الانفعالية (وربما الأيديولوجية) عند المحافظين الجدد مثلا) محل الخطاب العقلاني والتحليل العلمي والنظرة الموضوعية الراشدة أو حتى الباردة إلى الظواهر والقضايا.
وهذا ما أفضى في رأسهما إلى تكرار الأخطاء التي ارتكبتها واشنطون ما بين ورطة الحرب العالمية الثانية في الأربعينات إلى استشراء مد المكارثية الذي صادر حريات الإبداع في الخمسينات ومن ثم إلى السقوط في مستنقع ؟يتنام الآسيوي في الستينات.
وربما ترجع قيمة دراسة أكاديمية من هذا القبيل في أنها تتجاوز العوامل الذاتية التي قد تؤدي إلى شخصنة القرارات وذلك لصالح تحليل أكثر تأصيلا يعود إلى النشأة الأساسية للكيان السياسي الذي يحمل اسم الولايات المتحدة..
وهذا التحليل يقول بإيجاز شديد بأن أميركا لم تنشأ نتيجة تراكم عناصر ثقافية مشتركة ولا بفضل تسلسل مراحل زمنية متوالية عبر تاريخ طويل ولكنها نشأت متبلورة حول فكرة واحدة: هي «فكرة الاستثناء» التي تجسدت في تصور يقول بأن «الأميركيين جماعة مختارة للعيش في دنيا جديدة مبرأة من الفساد والشرور ومكتوب عليها أن تشكل نموذجا يحتذى أمام العالم..».
ورغم ما قد يلوح من مبالغة في مثل هذا التحليل إلا أن بعض مقولات المحافظين الجدد كانت ولا تزال تعكس هذا التصور المرتبط بالجماعة المختارة وربما نجد في هذا التصور أيضا نوعا من تفسير علاقات التعاطف وأحيانا التماهي بين جماعات المحافظين الجدد (النيو كونز) الأميركية التي تتصور أنها اختيرت لتكريس الديمقراطية في العالم ولو من خلال ما يسمونه بالفوضى.. المنظمة (!) وبين طروحات الدعاية الصهيونية - الإسرائيلية عن «شعب الله المختار».
على الجانب الآخر يدلل نهج الواقعية السياسية عمليا وميدانيا على فشل هذا المسار الأيديولوجي الذي قاد سياسة واشنطون إلى ورطة الحرب في ساحتي أفغانستان والعراق، بكل ما تنطوي عليه هذه الأوضاع من مغارم وتكاليف في أرواح البشر وفي بنود الخزانة العامة وفي أرصدة السمعة الدولية على السواء.
ولأنهم برغماتيون. بمعنى أنهم يتبعون أساسا منطق المصالح الباردة وليس منطق العواطف الجياشة.. فها هو كيسنجر يؤكد في دعوته الحاجة إلى وضع إطار للمؤتمر الدولي الشامل الذي يتكلم عنه - وبحيث يضم هذا المؤتمر كل الدول والأطراف ذات المصلحة (المادية الواضحة والمباشرة) وبمعنى أن يتسلم دعوة المشارك وليس المراقب كل جيران العراق وكل أعضاء مجلس الأمن الدائمين وكل الدول الإسلامية الرئيسية وكل كبار منتجي البترول وكل كبار مستهلكي البترول مثل ألمانيا واليابان.
ويصف كيسنجر هذه الأقطار المقترحة بقوله: صحيح أن لها مصالح متعارضة ولكن ينبغي أن يتوافر لها شاغل مشترك أو مصلحة مشتركة في منع العناصر المتعصبة (الجهادية كما يسميها) من أن تودي بالعالم إلى صراع يتسع نطاقه يوما بعد يوم.
ورغم أن كيسنجر.. ومن يتفق معه لا يتكلمون مباشرة عن انسحاب أميركي فوري أو ناجز من ساحة العراق، إلا أن مؤدى طروحاتهم يفيد بأنهم يتطلعون إلى نهاية الوجود الأميركي في بلاد الرافدين.. شريطة ألا تكون نهاية مبتورة وإلا عادت بالوبال على الأطراف شتى.
لهذا نلاحظ أن هذه المدرسة الأميركية في مجال الواقعية السياسية تتحدث كثيرا عن «نهاية» حرب أخرى عرفها التاريخ الأوروبي بأنها حرب الثلاثين سنة وهي الصراع القاري داخل أوروبا الذي امتد بين عامي 1618 و1648 وكانت ألمانيا هي ساحته الرئيسية وكانت في جوهرها جولات من الصراع الدموي بين المسيحيين البروتستانت والمسيحيين الكاثوليك..
ثم شاركت في الحرب أطراف أخرى مثل فرنسا والسويد وأسبانيا وترجع أهمية هذه الحرب إلى أن أطرافها وقد كابدوا معاناة سنوات الصراع الثلاثين.. جلسوا إلى مائدة مفاوضات دامت بدورها خمس سنوات والتمسوا خلالها تسويات للمشاكل الملتهبة.. وخلصوا بعدها إلى معاهدة وستفاليا الشهيرة في عام 1648 التي نظمت الأوضاع السائدة في أوروبا بالذات حتى مجيئ نابوليون بعد ذلك بنحو قرن ونصف من الزمن.
ولأن كيسنجر دارس مخضرم للتاريخ السياسي الأوروبي فقد عقد مقارنة بين صراعاتها القديمة التي أوصلت إلى تلك التسويات وبين صراع العراق - الشرق الأوسط التي يدعو مجددا إلى محاولة تسويتها وفي هذا يخلص وزير الخارجية الأميركي الأسبق إلى أن يقول: العالم الآن أمامه فرصة مقارنة ومتاحة فهل ينتهزها وهو لا يزال متمتعا بهامش من التصميم.. أو يفضل الانتظار إلى حيث يصبح لا بديل عن مزيد من الإرهاق واليأس؟
هذا البديل الخطير يصفه مفكر أميركي آخر.. هو البروفيسور يمس دوبنز الذي يجمع - مثل كيسنجر - بين الممارسة الميدانية حيث كان مساعدا لوزير الخارجية وبين الخبرة الأكاديمية حيث يعمل مديرا لمركز سياسات الأمن الدولي في مؤسسة راند البحثية الشهيرة.
في مقالة منشورة مؤخرا يحذر دوبنز واشنطن من ترك الأوضاع في الشرق الأوسط إلى «حيث تزداد وتائر العنف وزعزعة الاستقرار» وفي بلاغة شديدة التكثيف يصوغ أحكامه قائلا:- قد يكون لدى الولايات المتحدة نفوذ يتيح لها أن تفعل ما يكاد يكون أي شيء.. ولكنها ليست قوية بما يكفي لجعلها تقول كل شيء فإذا ما حاولت ذلك.. فإنها تخاطر بأن لا تحقق شيئا على الإطلاق.
كاتب مصري