كل عام و في مناسبة يوم المرأة العالمي الذي وافق الثامن من مارس الجاري يدور الحديث في الأوساط النسائية في روسيا حول تواجد المرأة الروسية على الساحتين السياسية والاقتصادية داخل روسيا، هذا التواجد الذي تباينت مستوياته ونسبته على مدى أكثر من نصف قرن مضى، فقد كان ملحوظا في الحقبة السوفييتية التواجد السياسي الفعال للمرأة السوفيتية التي كانت تشغل نسبة في البرلمان تصل إلى نحو 40% في وقت كانت الحريات فيه مقيدة كثيرا عما هي عليه الآن،

أما الآن وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومع مناخ الحريات الكبيرة نجد مكانة المرأة السياسية قد تراجعت كثيرا وبشكل ملحوظ حتى أصبحن لا يشكلن أكثر من 10% من مقاعد البرلمان، وأصبح أمرا عاديا أن تتشكل حكومة روسية بدون نساء وزيرات بينما لم يكن يحدث هذا من قبل،

وقد يعتقد البعض أن نمو النشاط الاقتصادي وتراجع النشاط السياسي هو السبب في تراجع مكانة المرأة السياسية باعتبار أن الرجال يتصدرون النشاط الاقتصادي، ولكن هذا ليس صحيحا في روسيا لأن المرأة الروسية تقدمت في النشاط الاقتصادي تقدما ملحوظا في السنوات العشر الماضية، وهناك امرأة روسية ضمن قائمة المليارديرات في العالم وهي زوجة محافظ موسكو لوجكوف، كما أن المرأة الروسية أصبحت تنافس الرجال في ميدان البيزنس بشكل واضح .

المرأة في روسيا في يوم المرأة العالمي تطالب بحقها على الساحة السياسية، وهي لا تطالب مثل غيرها من نساء الدول الأخرى بالمساواة بالرجل، بل تطالب بحقوق أكثر من الرجل لأنها ترى أنها صاحبة دور أكبر منه في بناء المجتمع وتبذل جهدا أكبر منه، ولهذا فإن منظمات وجمعيات المرأة في روسيا تنتقد بشدة خلو الوزارة وأجهزة السلطة العليا في الدولة من النساء في الأعوام الأربعة الماضية،

وتعتبر هذا وضعا شاذا لم يكن موجودا من قبل، وتقول «يكاترينا لاخوفا» رئيسة لجنة المرأة في البرلمان الروسي «إن الأمر ليس متعمدا من الحكومة ولا من الرئيس بوتين ولكن يرجع لظروف خاصة تمر بها روسيا الآن تستلزم وحدة فريق السلطة العليا في مواجهة العديد من الضغوط والتهديدات الخارجية والداخلية وعدم وجود امرأة في هذا الفريق هو محض صدفة غير مقصودة وهو استثناء ربما يتغير قريبا مع الإصلاحات السياسية الداخلية التي طرحها الرئيس بوتين مؤخرا» .

أعلنت الجمعيات والمنظمات النسائية في روسيا ما أسمته بـ «الثورة النسائية الهادئة» حيث أبدى العديد من قيادات الحركة النسائية اعتراضاتهن على خلو الحكومة الروسية الحالية من النساء في منصب الوزير خلافا لما كانت عليه الوزارات السابقة، وكذلك انخفاض عدد النائبات في البرلمان الروسي،

في الوقت الذي تتقدم فيه المرأة الروسية على الرجل في كافة المجالات، ومن المعروف أن المجتمع الروسي يزيد عدد النساء فيه عن الرجال بنسبة 2 إلى واحد، ويرجع البعض ذلك إلى الحربين العالميتين اللتين ذهب فيهما أكثر من عشرة ملايين من الرجال، بينما يرجعه البعض إلى انخفاض متوسط العمر عند الرجال عن النساء،

الأمر الذي جعل المرأة في روسيا تحتل مكانة كبيرة وتلعب دورا كبيرا في بناء الدولة السوفييتية العظمى، حيث كانت النساء تقوم بالأعمال الشاقة التي لا يقوم بها إلا الرجال في المجتمعات الأخرى، وذلك مثل أعمال البناء ورصف الطرق والزراعة والعمل في المناجم وفي الجيش، وأعمال النظافة في الشوارع في أقصى درجات البرودة، و من المعروف أن أم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت تعمل عاملة نظافة لتحصل على ما يكفي لتربية وتعليم أبنائها .

المرأة الروسية لا تعاني من اضطهاد الرجل لها وتميزه عليها مثلما في المجتمعات الأخرى، ولكنها تعاني فقط من الأنظمة الإدارية العليا التي تستبعد النساء من أجهزة السلطة العليا عمدا، وجدير بالذكر أنه حسب إحصائيات عالمية فإن المرأة الروسية تحتل المركز الأول في العالم في مجال البيزنس تليها المرأة الفلبينية وتليها في المركز الثالث الأميركية حسب تقديرات مجلة فوربس الأميركية، وتحتل المرأة الروسية مكانة هامة في مجال البيزنس والأعمال الحرة وإدارة الشركات،

وتفيد الإحصاءات أيضا بأن نحو 44% من المشروعات الخاصة والمتوسطة والصغيرة في روسيا ترأسها نساء، و7,1% من رؤساء الشركات الكبرى من النساء، و7 % من رؤساء البنوك الروسية من النساء و أكثر من نصف نواب رؤساء البنوك الروسية من النساء، و30% من الروسيات دخلهن أعلى من أزواجهن، ويفسر البعض تفوق المرأة الروسية في البيزنس بأن المؤسسات التي تديرها النساء في روسيا يقل فيها الفساد الإداري والمالي والجريمة ولا تتعامل مع عصابات المافيا مما يجعلها محل ثقة أكثر من المؤسسات التي يديرها الرجال.

وحتى في المجالات الحيوية والإستراتيجية تتواجد المرأة الروسية ، وحسب أخر إحصاء للقوات المسلحة الروسية فإن عدد النساء بلغ في عام 2005 تسعين ألف امرأة فى مختلف أفرع الجيش الروسي، منهن 70% يحملن شهادات جامعية، ومنهن خمسة آلاف ضابط (خمسمائة برتبة عقيد وأكثر من ألف برتبة رائد)، ومنهن قائدات طائرات مقاتلة وقد كرمهن الرئيس بوتين مؤخرا ومنهن بعض المحاربات القدامى مثل الطيارة المقاتلة «لودميلا سلافيوفا» التي قامت وحدها بأكثر من خمسة وثمانين طلعة طيران على القوات الألمانية في الحرب العالمية الثانية وحصلت على أعلى الأوسمة السوفييتية .

كما تشغل المرأة الروسية مكانة كبيرة وهامة في أجهزة الأمن والاستخبارات الروسية، حيث تشغل النساء نسبة لا تقل عن 20% من قوات الأمن الروسية، ومنهن أربع نساء برتبة جنرال منهن اثنتان بدرجة نائب لوزير الداخلية، و من المعروف أن المرأة الروسية الشرطية أقوى وأشد قسوة من الشرطي الرجل، ويخشاها المجرمون والمشاغبون أكثر لأنها تحاول أن تخفي أنوثتها وجمالها وراء قناع القوة والقسوة وتتلقي أقسى التدريبات في مقاومة المجرمين والمخالفين، كما أنها لا تقبل المساومة والرشاوى مثل بعض الرجال.

كما حققت المرأة الروسية تفوقا عالميا في مجال الرياضة لم يحققه الرجال حيث أصبحت لاعبة التنس شارابوفا المصنفة الأولى عالميا بينما احتلت زميلتان لها مكانهما ضمن أفضل عشرة لاعبات في العالم، ولم يحقق الرجال الروس هذه المكانة رغم أنهم سبقوا الفتيات لهذه اللعبة، ويكفي المرأة الروسية فخرا منح منظمة المرأة البريطانية رائدة الفضاء السوفيتية فالنتينا تيريشكوفا لقب سيدة القرن العشرين لأنها أول امرأة صعدت للفضاء .

كل هذه العوامل إلى جانب كل ما قدمته المرأة الروسية في زمن الاتحاد السوفييتي ودورها في بناء الدولة العظمى تدفع المرأة في روسيا إلى المطالبة ليس كمثيلتها في الدول الأخرى بالمساواة بالرجل بل بالتميز على الرجل وبحقوق أكثر منه، خاصة وأنها تعمل أكثر منه باعتبار أن متوسط عمر المرأة الروسية حسب وزارة الصحة الروسية يصل إلى 72 عاما بينما متوسط عمر الرجل لا يزيد على 60 عاما، والمرأة الروسية إلى جانب عملها في كل المهن و الأعمال الشاقة التي يعمل فيها الرجل فإنها تتولى وحدها شؤون الأسرة وتربية الأطفال، وبالتالي فإنها تستحق أكثر من الرجل، وهذا ما تطالب به الجمعيات والمنظمات النسائية في روسيا.

جامعة سيبيريا