أفضت ردود فعل الرأي العام حيال الأحد الدامي في سيلما، حيث واجه المشاركون في مسيرات الحقوق المدنية العصي وخراطيم مكافحة الحرائق، والكلاب خلال الصدامات مع رجال الشرطة، أفضت بصورة مباشرة إلى إقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1965. وبعد 42 عاماً تقريباً، فإن الذكرى السنوية للأحد الدامي حظيت بالاهتمام الوطني عندما أجمعت الحملتان الرئاسيتان لهيلاري كلينتون وباراك أوباما على المشاركة في الاحتفالات بها.

ألقى كل من باراك أوباما وهيلاري كلينتون خطابات متزامنة، وتم نقلها عبر قنوات التلفزيون من ساحل أميركا الشرقي إلى ساحلها الغربي. تحدث كلاهما ببلاغة عن التضحية، والشجاعة، والكبرياء والانضباط من جانب المتظاهرين. وأقر كلاهما بأنهما ـ هما وترشيحهما للرئاسة ـ من ثمار تلك الحركة. وكلاهما ذكّر أميركا بأنه بينما قطعنا شوطاً طويلاً، فإن أمامنا شوطاً ممتداً لم نجتزه بعد. وكلاهما طالب جيلاً جديداً، جيل جوشوا، على حد قول أوباما، بالتقاط الشعلة، وانتعال الأحذية ومواصلة الرحلة.

لم يورد الدكتور مارتن لوثر كينغ على الدوام توضيحاً بشأن الأوضاع التي ينبغي تغييرها فحسب، وإنما بشأن الأجندة المطلوبة لإحداث ذلك التغيير أيضاً. كانت حركة الحقوق المدنية مصدر إلهام لأبطال الحياة اليومية، والناس العاديين، الشباب والكهول، الحاصلين على درجات جامعية، ومن هجروا الدراسة، الأثرياء والفقراء، ليجعلوا أنفسهم مؤثرين في التاريخ.

لقد غيروا أنفسهم، وتحلوا بالانضباط، وتعلموا الشجاعة، ووضعوا جانباً مشاعر عدم الثقة بالنفس ليتصرفوا بشجاعة لتحدي النظام القائم. ومارسوا اللا عنف لأنهم سعوا إلى اللجوء إلى الخير الكامن في نفوس الجميع، في مضطهديهم، في المتفرجين، في الشهود على امتداد العالم.

ولكنهم لم تكن لديهم مهمة فقط، وإنما أجندة. كانوا يأملون في تغيير قلوب الرجال والنساء، ولكنهم عملوا أيضاً على تغيير السياسة العامة. كانوا يريدون سن قوانين الحقوق المدنية، ليضمنوا الحقوق المتساوية، ويتيحوا التسهيلات العامة للجميع ويحموا حقهم في التصويت، ويضعوا حداً للتمييز الوظيفي، ويحصلوا على قيمة الصك الذي، حسبما قال كينغ في المسيرة على واشنطن، أعيد وقد مهر بكلمات «الرصيد لا يكفي». وشاركوا في المسيرة، وقدموا تضحيات. ولكنهم لم يقوموا بذلك إلا لتغيير السياسة العامة.

إذن ما هي أجندة السياسة العامة لجيل جوشوا؟ هنا كان كلاهما أقل وضوحاً، وأقل شجاعة. كلاهما كان أفضل في خوض التحديات منهما في تقديم الحلول. ذهبت السيناتور هيلاري كلينتون إلى القول: «الفقر واللا مساواة لهما أهميتهما. وقضايا الرعاية الصحية مهمة. قضية وشعب الخليج له أهميته. وقضية جنودنا لهم أهميتهم».

أما السيناتور أوباما فكان حديثه مباشراً أكثر حيث دافع عن المزايا الممنوحة للأقليات، وطالب بإنهاء التمييز غير المنصف الذي يتخلل النظام القضائي الأميركي، ودافع عن التمويل المتساوي للمدارس، وعن تأهيل من فقدوا وظائفهم. كما أنه ركز أيضاً على التحديات، و«الهوة» في العدل، والانجاز (والذي كان يقصد به الاستثمار)، والتعاطف والأمل.

وأشارت السيناتور هيلاري كلينتون إلى التلاعب بحقوق الناخبين في الأعوام الأخيرة، بدءاً من المحدودية البالغة لصناديق الاقتراع في المقاطعات الفقيرة، ووصولاً إلى النشرات الإعلانية الموزعة على الناخبين من الأقليات والتي كانت تحمل الزمان والمكان الخاطئين للتصويت. ودعت إلى إقرار مشروع قانون فرز كل الأصوات الذي تقدمت به.

والذي سيقدم معايير فيدرالية لإزالة هذه الإساءات. لم تذكر الانتهاك الأسوأ ـ أي قوانين الولاية التي تسلب حقوق التصويت مدى الحياة من ذوي السوابق، حتى وإن قضوا في السجن مدة العقوبة الصادرة بحقهم أو دفعوا مخالفاتهم. ولم يذكر أي من عضوي مجلس الشيوخ الحقيقة الصارخة القائلة إن المقيمين في مقاطعة كولومبيا يدفعون الضرائب، ويؤدون الخدمة العسكرية، ولكن ليس لهم الحق في التصويت.

وقد استاء الكثيرون من أن ذكرى الأحد الدامي اختلطت بالسياسات الرئاسية. وقد قررت السيناتور كلينتون المجيء في آخر لحظة، واصطحبت زوجها معها، لئلا تترك هذا المسرح الخاص للسيناتور أوباما. إنني لا أتحسر على هذه الحقيقة، بل أصفق لها. مع انفتاح باب الترشيح الديمقراطي على مصراعيه، فإن قاعدة الحزب الديمقراطي التي يتم رفضها عادة ستحظى بالاحترام والاهتمام على حد سواء.

والآن ينبغي علينا أن نصر على تحويل الانتباه إلى الاهتمام بأجندة، وعلى أن يرتبط كاريزما المرشحين وسحرهم بالتزامات محددة. وقد علمتنا حادثة سيلما أن المواطنين من ذوي الضمائر الحية يمكنهم وضع أجندة للأمة، وجعل أميركا أفضل حالاً. والآن مع سعي المرشحين إلى حشد التأييد، فإنه يتعين على المواطنين من ذوي الضمائر الحية النهوض مجدداً، ورفع سقف التوقعات ووضع الشروط لكسب ذلك التأييد.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»