كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن الديمقراطية وعن الحاجة إليها في اختيار أنظمة الحكم وفي وضع الدساتير وانتخاب الممثلين للشعب في المجالس التشريعية، وعن أهمية اعتمادها في الممارسات المختلفة في شتى جوانب الحياة سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو المجتمع.

ويرتبط بهذا الحديث دعوات متزايدة للتغيير، في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً، لم تكتف الولايات المتحدة بحمل رايتها في عهد الإدارة الحالية، بل وضعتها في إطار برنامج واسع تسعى لتحقيقه في المنطقة تحت مسمى «الشرق الأوسط الكبير». ويبدو من خلال الأحداث الجسيمة التي شهدتها هذه المنطقة في السنوات الأخيرة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، إن هذا البرنامج لا يستبعد استخدام الأساليب القسرية لتحقيق أغراضه رغم أن ذلك يتعارض مع جوهر الديمقراطية نفسها.

نود في البداية التأكيد على أن الديمقراطية ليست هدفاً بذاتها وإنما هي نهج تنموي نشأ وتطور في مسيرة التطور الإنساني في النواحي السلوكية والقيمية التي كان من نتائج ارتقاءها، إصدار العديد من الوثائق العالمية الهامة التي تتعلق بحقوق الإنسان في العيش بكرامة كفرد،

وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نمط الحياة الذي ترغب فيه بعيداً عن إملاءات حاكم جائر أو محتل مغتصب وبعيداً عن سلطان نظرية أو معتقد أو أي سلطان غير مادي فرض نفسه شرطياً غير منظور في عقول الناس. والديمقراطية كذلك نهج متطور في بناء علاقة الإنسان بأسرته ومجتمعه ومن ثم علاقته بالبيئة المحيطة به، وإن ضمان ممارستها هو ضمان لمستقبل آمن خالٍ من المفاجآت والهزات.

تفخر الدول الديمقراطية بأنها أكثر من يحقق الرخاء لشعوبها وبأنها لا تسوق أحداً إلى السجن على أساس الخلاف الفكري ولا تفهم شيئاً من معجم الاغتيالات السياسية ولا تصنع أوثاناً لحكامها. وتفخر كذلك بأن لها إسهامات في وضع حرف أو كلمة أو جملة أو نص في الإعلانات الحضارية الهامة عن حقوق الإنسان التي صدرت في أوقات مختلفة عن منظمة الأمم المتحدة أو عن المنظمات الدولية الأخرى.

وتقدم الدول الديمقراطية دروساً للآخرين في كيفية التعايش باحترام مع الآخرين رغم الخلافات في الرؤى والانتماءات والمناهج والأساليب ورغم التنافس على كسب هذا الشخص أو تلك الفئة وضمها إلى هذا التجمع السياسي أو ذاك. فالديمقراطية تتنافى مع اللجوء إلى الأساليب القسرية في الممارسات وتعتمد أساليب وآليات تستند إلى قوانين وأعراف تتسم بالمرونة وتنسجم مع روح العصر وقيمه.

يتحدد هيكل الديمقراطية بالطريقة التي ننظم بها علاقاتنا مع بعضنا البعض ابتداءً من العلاقات داخل الأسرة الواحدة ومروراً بالعلاقات الاجتماعية ووصولاً إلى الطرائق التي نختار فيها ممثلينا في المؤسسات القيادية التي تصنع القرار والأساليب التي نتبعها في تأسيس أحزابنا السياسية ومؤسساتنا المدنية الأخرى التي تضمن تواصلاً مع المجتمع من جهة، وتؤمن رقابة فعالة على السلطة الحاكمة ومؤسساتها من جهة أخرى.

والديمقراطية قبل كل شيء هي الفضاء السيادي الحر الذي يمكننا من رسم السياسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية بما يتناسب مع مصالحنا الآنية والمستقبلية في استغلال ثرواتنا المادية والبشرية، وإن من السذاجة بمكان اختزالها إلى مجرد اكتساب حق التصويت لانتخاب من يمثلنا في مجلس المحافظة أو من يمثلنا في الجمعية الوطنية أو من يرأس بلدنا، نمارسها مرة واحدة كل بضع سنوات عندما يحين موعد الانتخابات وننساها في الفترة التي تعقب ذلك. إنها في الحقيقة فضاء أوسع من ذلك بكثير، فضاء يتيح لنا فرصة وضع الإستراتيجيات والخطط التنموية لبناء الفرد وبناء المجتمع، وإن العملية السياسية ليست غير إحدى إفرازاتها.

تتسم الأجواء الديمقراطية بسيادة الحوار الهادئ البناء الذي يعتمد لغة المنطق ويستند إلى الحقائق وفق منهج عقلي لا يتأطر بمُسَلمات موروثة، وتخضع هذه الأجواء إلى رقابة منظمات المجتمع التي تمتلك وسائل إعلام فعالة تتضمن صحفا ومحطات بث إذاعي وقنوات تلفزيونية فضائية وغيرها. ويسهم الإعلام في خلق الأجواء الديمقراطية التي تسمح بالحوار الهادئ والبناء، وقد يسهم كذلك في الإساءة إلى هذه الأجواء إذا وظف نفسه لصالح آخرين يسعون إلى تحقيق مصالح ضيقة عن طريق رسم صورة إعلامية تلوي عُنُق الحقيقة وتخدم أغراضهم.

تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً هاماً في خلق الأجواء الديمقراطية وفي الحفاظ عليها وتطويرها، فلها دور أكثر فاعلية وأهمية من دور المؤسسات الرسمية الحكومية، لأنها أكثر التصاقا مع الناس وأكثر تأثراً بأهوائهم ورغباتهم وأكثر سرعة في الاستجابة لها.

كما أنها تخلو، في أغلب الأحيان، من أجواء البيروقراطية التي تعشعش عادة في مؤسسات الدولة الرسمية. ولا نجانب الصواب حينما نشير بأن أبرز مؤشر على عمق الممارسات الديمقراطية في بلد ما، هو مدى الدور الذي تلعبه هذه المنظمات في حياة الفرد والمجتمع على جميع الأصعدة، إلا أن هذه المنظمات، لأهمية دورها ولعمق نفوذها في المجتمع، تكون عادة عرضة لأطماع القوى السياسية الفاعلة في المجتمع، والتي غالباً ما تسعى إلى فرض هيمنتها عليها وجعلها واجهات غير رسمية لنشاطاتها مما يسهم، في أحيان كثيرة، إلى إضعافها وحرفها، كلياً أو جزئياً، عن مهامها الأصلية وزجها في الصراعات الحزبية مما يسيء إلى القيم الديمقراطية.

وعندما نشير إلى الدور الهام لمنظمات المجتمع المدني في تعزيز الديمقراطية، نقصد بذلك، بأن جميع الهيئات التي تسهم في أنشطة المجتمع المختلفة، إنما تمارس ذلك، من خلال اللوائح والآليات المتعارف عليها، وخلال ذلك تعمل هذه المنظمات على تطويرها وذلك بحذف ما يثبت عدم صلاحيته أو تعديله أو إبداله بما هو أفضل، فليس هنالك في الأعراف الديمقراطية من لا يمكن الاستعاضة عنه ومن لا يطاله التغيير.

توفر الأجواء الديمقراطية البيئة المناسبة لدوران عجلة التطور والتقدم بسرعة، فهي أجواء مفعمة بالحيوية والحركة عكس الأجواء الأخرى التي تتسم بالجمود والركود وفقدان القدرة على التطور. فالأجواء الديمقراطية تسمح بولادة الأفكار الجديدة وتساعدها على النمو لتجني من عنفوانها لاحقاً ثماراً تساعد على إضفاء المزيد من الرفاة على حياة الفرد والمجتمع،

بدل أن تعمل على وأدها في طفولتها مخافة إخلالها ببعض الثوابت التي تتعارض مع مصالح من يتمسك بإبقاء المياه في ركودها معارضاً أهم قوانين الطبيعة وهو أن الحياة مع التغير، وليس هنالك فكرة أو منهج أو نظرية، إلا وتخضع مكرهة إلى حكم الزمن الذي يُذلها ويُسفهها إن لم تستجب لمتطلبات الحاضر، ويدحضها إن لم يكن في كيانها ما يساعد على التأقلم مع متطلبات المستقبل.

في ضوء ما تقدم يصبح المسار نحو البناء الديمقراطي الحقيقي مساراً وطنياً وتربوياً في الوقت نفسه، فالممارسة الديمقراطية هي ممارسة للسيادة قبل أي شيء آخر، تتطلب حرية كاملة في صناعة القرار بعيداًعن أي نفوذ خارجي. وتتطلب كذلك وعياً بأهمية الدور الذي يلعبه الفرد في مجتمعه، وهذا لن يتأتى دون أن يسهم الآباء وتسهم الدولة من خلال برامجها التربوية والتوجيهية في جميع مراحل التعليم في بناء شخصية الفرد، شريطة أن يكون دستور البلد والقوانين التفصيلية المنبثقة عنه ذات مضامين في الفحوى وفي آلية التطبيق تعبر عن المحتوى الديمقراطي الذي تتحدد بموجبه الحقوق التي تتيح للفرد أداء واجباته نحو المجتمع على أفضل وجه.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae