تراجعت بشكل واضح على مدى عام مضى لغة الإصلاح والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في الخطاب السياسي الخارجي للإدارة الأميركية، هذه اللغة التي كانت واضحة وعالية منذ العام الأول لوصول هذه الإدارة للبيت الأبيض، ثم أصبحت شعارا أساسيا ورئيسيا في الحملة الأميركية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001،

وبدت هذه الشعارات وكأنها سوط مسلط على الكثير من الأنظمة الحاكمة، الأمر الذي شجع الكثير من الأحزاب والتيارات المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني والناشطين والناشطات في العديد من الدول العربية والأجنبية على تفعيل نشاطهم وتكريس جهودهم على أمل الحصول على جزء من الدعم المالي الذي وعد به البيت الأبيض للإصلاح السياسي والديمقراطية، والذي رصد له عشرات الملايين من الدولارات.

وقد علت لغة الإصلاح والديمقراطية في الخطاب الأميركي في عامي2003، 2004 مع ظهور الثورات الملونة الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا،هاتان الثورتان اللتان هلل لهما الإعلام الغربي وما سار على منواله من الإعلام العربي، واعتبرهما البيت الأبيض نموذجا يجب أن تحتذي به باقي الشعوب حتى تنال الدعم والرضا الأميركي،

خاصة بعد زيارة الرئيس بوش لجورجيا في مايو 2005، وخطبته في الجماهير هناك والتي قال فيها «إن هذه الثورة الوردية لم تلهم الأمة الجورجية فقط بل كانت مصدر الهام لآخرين في العالم يطمحون للديمقراطية والحرية»، واعتقد البعض أن الدعم الأميركي الكبير الذي كان وراء هاتين الثورتين سوف يصل إلى غيرهما من الثورات في العديد من البلدان الأخرى،

فقط المطلوب الخروج للشارع بلون فاقع أحمر أو أصفر أو غيره حتى يشعر البيت الأبيض بوجودهم ويرسل لهم الدعم اللازم، وبالفعل شاهدنا ظاهرة جديدة في الشارع العربي لم تكن موجودة من قبل، حيث خرجت جماعات سياسية في القاهرة وبيروت في تظاهرات وتجمعات تضع على أكتافها كوفيات حمراء وصفراء وبرتقالية وغيرها.

ولكن ما أن غرقت الإدارة الأميركية في المستنقع العراقي وتألبت عليها المشاكل الكبيرة داخل الولايات المتحدة حتى أدارت ظهرها وتخلت عن شعارات الإصلاح السياسي والديمقراطية، الأمر الذي أوقع هذه التيارات والجماعات التي خرجت تلبي النداء الأميركي في مأزق كبير، ولم تعد تدري ماذا تفعل وقد كشفت كل أوراقها واصطدمت بشدة مع الأنظمة في بلادها،

ووصل الأمر ببعضها إلى درجة محاكمة قادتها وإلقائهم في السجون لسنوات طويلة، وانتظر البعض أن تأتي واشنطن لتنقذهم وتدعمهم، ولكن طال انتظارهم ولم تأت، ووصل الأمر ببعضهم إلى كتابة رسالة للرئيس بوش يذكرونه فيها بوعوده في دعم الإصلاح والديمقراطية، ووقع العشرات على هذه الرسالة وطرحوها على شبكة الانترنت، ولكن لا مجيب في واشنطن.

و زاد رعب وخوف هذه الجماعات والتيارات الملونة من بطش الأنظمة الحاكمة بهم، وأيضا من شماتة التيارات السياسية الأخرى التي التزمت بواقعها الشعبي ولم تلب نداء الإدارة الأميركية، وخفتت بشكل ملحوظ أصوات الليبراليين الجدد ودعاة الإصلاح السياسي والديمقراطية على الطريقة الأميركية بعد ما شاهدوا العالم كله يعلن رفضه لسياسات إدارة بوش وللديمقراطية الأميركية التي حولت العراق إلى جحيم وخراب ودمار وأعادت طالبان لأفغانستان أقوى مما كانت عليه من قبل.

كما شهد العام 2006 هزيمة الثورتين الملونتين الوردية والبرتقالية، وعودة النظام الموالي لروسيا للحكم في أوكرانيا بعد فوزه في انتخابات برلمانية ديمقراطية نزيهة وبأغلبية ساحقة بعد أن اكتشف الشعب الأوكراني وبسرعة في أقل من عامين مدى كذب الشعارات الأميركية ومدى زيف الحرية والإصلاح الأميركي الذي يسمن الأنظمة الموالية ولا يغنى الشعوب من جوع،

كما تراجعت الثورة الوردية في جورجيا بعد ثلاثة أعوام من العناد والتصريحات الهجومية ضد روسيا، وخرج آلاف الشباب في مظاهرة في العاصمة الجورجية تبليسي في فبراير المنصرم يطالبون بتحسين العلاقات مع روسيا وإعادة تدريس اللغة الروسية في المدارس، ومارس رجال الأعمال في جورجيا وأوكرانيا ضغوطا شديدة على أنظمتهم الحاكمة التي أتت بها الثورات الملونة بعد أن تضررت أعمالهم بشدة بسبب انغلاق السوق الروسية في وجههم

بينما لم يروا من واشنطن والغرب أي دعم أو مساعدة، اللهم بضعة ملايين من الدولارات استحوذ عليها قادة الثورتين الملونتين. أما في عالمنا العربي فما زال البعض ينادي بوش وإدارته ويستنجد بهم ولسان حاله حسب المثل الشعبي يقول «عشمتنا بالدعم..خرمنا أذاننا»، ولكن هيهات أن يجيبهم بوش ولسان حاله يقول «الهم طايلني وطايلك».

elmoghazy@hotmail.com