قتل الشاعر العظيم أبو الطيب المتنبي غدرا في صحراء بغداد قبل مئات السنين، ولكنه بقي حيا يعيش في جوارحنا كل هذا الزمن الطويل بكل مخلداته من أروع الاشعار واسمى الملاحم.. وتيمنا به، أطلق اسمه على واحد من أهم شوارع قلب العاصمة بغداد، وشارعه يتفرع من شارع الرشيد، ولم أجد شبيها لكليهما أبدا، فلكل منهما لون ما وطعم خاص وطقوس حياة حافلة.. ميزة شارع المتنبي انه معرض كتاب دائم على امتداد الزمن الطويل.. انه اصطفاف عجيب للمكتبات التجارية العريقة.
وتجد الكتب بأنواعها تنتشر في كل رقعة وكل رصيف من بائعين صغار يعرف كل واحد منهم شفاها آلاف العناوين.. انه جادة المارة المثقفين والقراء والمهتمين، والطلبة والتلاميذ والمعلمين والأساتذة الجامعيين والموظفين والسابلة المتطفلين والمولعين بالثقافة والمثقفين.. وغيرهم ممن لا تعرفهم من العراقيين.. كّل يأوي إلى المتنبي لغاية في نفسه، فالشارع يجذب كل الصفوة ويزيدهم هو متعة وجمالا وبهاء.
كان في العقود الزمنية المنصرمة يتحسّر المرء فيه على كتاب جديد صدر هنا أو هناك، وبعضها يسّرب من وراء الحدود ليباع فيه خفية بعيدا عن أعين الرقباء والجواسيس ! وتتجلى عظمة الشارع بما يحتويه من روائع الماضي التليد.. لا تشتهي اي كتاب نادر وقديم، إلا وتجده في جعبة المتنبي :
مجلات ومأثورات وموسوعات ومجلدات والبومات ومخطوطات ومصورات ودواوين.. وفي كل يوم جمعة يزدحم الشارع بأصناف الناس وكأنهم يسترجعون مآثر العظمة الثقافية أيام العباسيين ! ولقد نثرت في أيام الحصار على العراق أعظم الاعمال عندما اخذ الناس يبيعون كتبهم كي يسدوا رمق الحياة وشظفها وهي أعز ما يملكون.
جميعنا سمع بتفجير شارع المتنبي عندما اختاره القتلة ليفجروه بسيارة مفخخة في الأسبوع الماضي، أرادوا قتل المتنبي من جديد.. وأرادوا قتل الحياة واغتيال البراءة وكل المضامين.. كانوا يريدون حرق الكتاب بعد ان نجحوا بتدمير العراق وحرق العراقيين.. كانوا يريدون قتل التاريخ فهم من اعدى أعداء التاريخ والدين..
كانوا يبغون دحر الثقافة والاعتداء على العقل اعتداء اثيما.. كانوا يريدون قبر الحكمة وعصر القلوب.. انهم يريدون إرهاب كل العالم.. هل يملكون ضميرا حيا ؟ هل يملكون أخلاقا وحضارة؟ هل لهم انتماء لأي شرعة أو دين؟ هل لهم اي نزعة إنسانية وهم يصنعون مشهدا مأساويا يعد من أسوأ المشاهد المروعة التي يحياها كل العراقيين..
مشهد مؤلم من دماء منثورة وبرك قانية وتراب يعفر الأوجه.. حرائق تأكل الكتب الثمينة.. جثث مقطعة الأوصال.. زجاج متناثر في كل مكان.. أجساد مزروعة بالجروح.. نيران تأكل موجودات المتنبي هنا وهناك.. مشهد لا يمكن ان تصنعه حتى خيالات هوليوود وألاعيبها المروعة في أفلام تحكي قصص المجرمين!
من كان وراء الجريمة ؟ من فقد عقله وضميره ودينه وأخلاقه ليفعل هكذا فعلة شنعاء؟ ان كل حالة من صناعات الموت الجماعي تخّلف عشرات الموتى والجرحى الأبرياء.. ما ذنب الأبرياء يذهبون ضحايا وقرابين، ليس لذنب اقترفوه إلا لكونهم من العراقيين؟ هل سمعنا اي فصيل من الفصائل مهما كان جنسه وهدفه يعلن ادانته الصارخة لمثل هذه الاحداث؟ ما الذي يريده الجناة القساة من هؤلاء الأبرياء الطيبين؟
من له مصلحة حقيقية في قتل العراقيين بهذه الطريقة الجنائية في وضح النهار وعلى مرأى العالمين؟ وهل الإسلام يقبل قتل اي إنسان في هذا الوجود، بل هل يقبل قتل اي حيوان اليف، اذ يغدو من المعتدين الآثمين؟ من هو المجرم الحقيقي لصناعة الموت في العراق ؟ من يعلن عن مسؤوليته في هذا القتل الآثم كي نعرف اشتراطاته؟ ام هل انه يقتل ويدمّر لغايات لا ندرك مراميها ابدا؟
لقد وجد القتلة ان كل الأمكنة قد استبيحت في العراق، ولم يبق الا ذلك المتنبي الوديع الذي يمتد بقامته في قلب بغداد، فطالوا حياته بعد الانفراد به، وأرادوا اعدامه وحرق كتبه وتقطيع أوصاله وزرع وجوه الناس بالزجاج والتشوهات.. أنهم أرادوا قهر أخر معقل لم يزل كل عراقي يلجأ إليه بأمان.. أنهم مجموعات شريرة أرادت ارتكاب جريمة اغتيال الثقافة وقصدوا المتنبي وهو عنوانها..
ولكنهم نسوا ان المتنبي لم يزل حيا يرزق بيننا ولم يقتل.. وسيبقى ذكره وأثره في ذاكرة الملايين.. ان المتنبي سيبقى حيا لا يموت، فهو من عمالقة الثقافة العربية، وسواء رفضناه أو عشقناه، فهو واحد من ابرز الرموز الخالدة التي يزدحم بها العراق والتي تمّثل شواهد حضارة رائعة على امتداد العصور والتي يفخر بها كل المسلمين وغير المسلمين.
ان مشروعات القتل والإرهاب التي لا تعرف اي نوازع دينية ولا اي سلوكيات أخلاقية، ولا اي معان حضارية.. مطلوب منّا جميعا زرع وعي جديد بمخاطرها على مستقبل مجتمعاتنا، وان يتخّلص كل المتوحشين من كراهيتهم وبغضائهم، وان يعيد كل المتعصبين التفكير من اجل فعل خير وكلمة طيبة وابتسامة رائعة.. فالحياة لا تبنى بالدمار.
والسلطة لا تؤخذ من الأبرياء.. وعلى الجميع ادانة قتل الأبرياء والاعتزاز بالإنسان واحترام المثقف والعمل من اجل الآخرين بالتعاون والروح الاخوية.. وان مقاومة المحتل لا تنطلق من قتل الأبرياء الآمنين والمطلوب استئصال حواضن الإرهاب أينما كانت. وأخيرا، أقول بأن المتنبي شاعرا وشارعا سيبقيان في قلب بغداد التي عرفناها وعشقناها، وسوف لن تؤذيه أبدا سيارة مفخخة أو تفجيرات قاتلة أو حرائق بالغة.. وسيبقى عنوان ثقافة عربية رائعة لا يمكنهم محوها من الوجود أبدا.
مؤرخ عراقي
www.sayyaraljamil.com
