لاشك أن دوامة القتل اليومي في العراق لها نهاية، فالعالم لا يعرف مشكلة بلا حل، لكن هناك عوامل تؤخر الوصول إلى هذه النهاية منها:
- العنجهية الأميركية غير المسبوقة التي تعتبر سحب القوات المحتلة نوعا مقنعا من الهزيمة، وهي لا تريد أن توشي تاريخها بهزيمة ثقيلة أخرى كالتي حدثت في فيتنام. لذلك يترك الديمقراطيون الحبل للرئيس بوش وإدارته الجمهورية بما فيها من بقايا المحافظين الجدد، فإما أن يلفه حول عنقه وعنق حزبه، وإما أن يجد مخرجا ملائما من الأزمة التي وضع أميركا فيها بغشمه السياسي وبأجهزة مخابراته التي احترف رجالها الكذب ولي الحقائق لإرضاء نزوات الرئيس على نحو ما يحدث في الدول المتخلفة.
- مصالح بعض دول الجوار والتي ترى العراق ساحة تصفية حسابات مع أميركا واستعراض للنفوذ، وتعتبر العراق ورقة تقامر بها من أجل حماية حدودها وليس مهما أن تحترق هذه الورقة، أو أن يدخل أهل العراق جميعا في محرقة بطوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم المختلفة.
- تواطؤ عربي غير مسبوق أملا في تجنب الغضب الأميركي.. وأغلب الظن أن بعض صناع السياسة العربية لا يعرفون على وجه التحديد ماذا يريدون لأن أميركا ذاتها لا تعرف ماذا تريد، وما هي أهدافها الحقيقية في العراق؟ ومن ثم فإن الحضور العربي على الساحة العراقية حضور ديكوري يكمل المشهد لكنه ليس من صلب المشهد نفسه، ولا يضير كثيرا إن ظهر أو اختفى.
- انعدام وجود رجال دولة حقيقيين بين الساسة العراقيين، فجميع الموجودين على الساحة زعماء يغلب عليهم انتماؤهم الطائفي أو العرقي، وهم يعيشون في صراع نفسي إذ يتنازعهم الولاء للعراق مع ولاءات أخرى لأميركا التي دخلوا العراق على ظهر دباباتها أو لدول مجاورة وفرت لهم الملجأ أيام كانوا منفيين أو هاربين من استبداد النظام السابق.
- نزعات مذهبية غذاها الاحتلال عملا بقاعدة فرق تسد الاستعمارية القديمة، وغذتها دول مجاورة أملا في أن يصبح العراق أداة في يدها بعد أن حال خلال عقود دون تمددها سياسيا وفكريا في المنطقة، وهذه النزعات ترجمت نفسها على الأرض في شكل ميليشيات وفرق موت لا تجد غضاضة في القتل لأتفه الأسباب على الهوية.
ليست العوامل السابقة ـ رغم كونها كابوساـ تحول دون وضع خريطة طريق تخرج العراق وأميركا والمنطقة من المستنقع الذي وجد الجميع أنفسهم يغوصون فيه حتى آذانهم..ونقطة البداية لأي حل يرتجى نفعه تتمثل في انسحاب أميركي، إذ ان هذا الانسحاب يفكك المعادلات المعقدة الموجودة على الأرض.
فالانسحاب يقود بالضرورة إلى التمييز ما بين المقاومين الحقيقيين الذين تنتهي مهمتهم بخروج الاحتلال، وما بين الإرهابيين الذين تحصد عملياتهم البشعة عشرات العراقيين يوميا، كما يسهل على أي سلطة في العراق أن تحدد أهدافها، وتفرض خططها الأمنية دون أن تتهم من أي طرف بالعمالة.
كما إن الانسحاب يلغي ذرائع دول الجوار في التدخل ومحاولة لي الواقع العراقي ليتناسب مع مصالحها وطموحاتها غير المعلن عنها، فضلا عن أنه يرفع الغطاء عن حجم المشاكل الداخلية العراقية. ويتيح تدخل دول الجامعة العربية أو الأمم المتحدة لحسم الخلافات وفرز ما اختلط من أوراق.
وبدون انسحاب أميركي فإن عقد عشرات المؤتمرات التي يتداعى إليها من يتصورون أنفسهم أصحاب مصلحة في استقرار العراق لن تجدي نفعا، كما إن كل الخطط الأمنية مآلها الفشل، فصلب مشاكل العراق ليست انعدام الأمن بقدر ما هي انعدام الاستقلال، وانعدام وجود الحق في اتخاذ قرارات وطنية شجاعة دون وصاية من أحد.
magdishendi@hotmail.com