قبل أسبوع زرت أحد أصدقائي في القرية الأيرلندية في دبي، وهي مكان تم تصميمه بحيث يشبه إحدى البقاع الجميلة في أيرلندا التي ينحدر منها مدير القرية وصاحب فكرة نقلها إلى دبي. وعلى الرغم من بعض المظاهر التي تنتمي إلى الثقافة الغربية أكثر من انتمائها إلى ثقافتنا العربية، وأن الجميع كان يرمقني باستغراب لأنني كنت أرتدي الزي الوطني أو زي السكان الأصليين كما يحب البعض تسميته، إلا أن المكان كان جميلاً وكأنه قطعة من طبيعة أوروبا.

في إحدى زوايا القرية يوجد مقهى يطل على بحيرة جميلة تحفها الأشجار من كل جهة وتغرّد العصافير على أغصانها اليافعة، وفي زاوية أخرى توجد محال صغيرة تبيع ملابس رياضية وعطوراً وأجهزة إلكترونية وغير ذلك من متاع السوق. وأمام هذه المحال يوجد ملعب صغير للتنس خصص للأطفال فقط، وحول الملعب تحلّق ذوو هؤلاء الأطفال ليشجعونهم وهم يضربون كرات التنس التي تتطاير شرقاً وغرباً، وسط ضحكات الكبار والصغار التي زيّنها الجو الربيعي الجميل.

عندما صعدت إلى غرفة الاجتماعات التي تطل على القرية خالجتني غصة وأنا أتذكر زوجتي وأبنائي الذين أتركهم كل يوم في البيت وأمضي إلى عملي الذي يزيده الطريق شقاءً، والذي أخاف أن يأتي يوم أنظر فيه إلى الماضي فأجدني قد قضيت نصف عمري في العمل وربعه على الطريق، وما تبقى منه تصدقت به على أسرتي المسكينة، متناسياً بذلك حق المجتمع علي وواجبي تجاهه كأي مواطن يعيش على أرض وطنه.

ولكن يبقى السؤال: متى وكيف يمكنني أن أكون مع أسرتي وأقدم شيئاً لمجتمعي الذي أصبح مادياً لدرجة أنني لا أعرف من أسماء جيراني إلا جاراً واحداً فقط؟

لقد عانى العديد من المجتمعات الناشئة ما يعانيه مجتمعنا اليوم من غياب المفاهيم الاجتماعية الإنسانية، فالمجتمع السنغافوري الذي نشأ قبل أربعين عاماً تقريباً كان مزيجا من الصينيين والهنود والمالاويين تماماً مثل المجتمع الماليزي، ولولا الجهود التي بذلتها حكومتا ماليزيا وسنغافورة لرتق الفجوة بين هذه الأعراق التي يحمل كل منها ثقافة مختلفة عن الآخر، لكانت هذه المناطق تعج اليوم بصراعات عرقية كما هو الحال في بعض المناطق المضطربة من العالم.

في سنغافورة أسست الحكومة مجالس لتنمية المجتمع وجعلت لكل منطقة مجلساً خاصاً بها يقوم على تلبية حاجات الناس وإيصال أصواتهم ومطالبهم إلى الحكومة، ولأن أعضاء كل مجلس يجب أن يكونوا من نفس المنطقة التي يشرف عليها المجلس فإنهم أكثر دراية بأمور الناس وخفايا حاجاتهم من الحكومة الممثلة في الوزارات والمؤسسات الحكومية، لذلك تعول الحكومة على هذه المجالس الشيء الكثير في تنمية المجتمعات الصغيرة التي تشكل في مجملها مجتمع الدولة،

ولذلك فإن هذه المجالس تحظى بدعم حكومي ناهيك عن التبرعات التي تتلقاها من قطاع الأعمال والتبرعات الشخصية التي يجود بها سكان المناطق، وحتى تتحقق المشاركة المجتمعية بين مختلف شرائح المجتمع، يتطوع الأفراد والأسر للعمل في المشاريع المجتمعية التي تقوم بها المجالس، سواء كان ذلك عن طريق التبرع المادي أو المشاركة البدنية في إنجاز عمل ما.

ومن هذه الأعمال تقديم المساعدات المادية للمحتاجين من المواطنين، حيث تقوم المجالس بتقسيط مصاريف الدراسة لأبناء الأسر الفقيرة دون فوائد، وإذا كان أبناء هذه الأسر في حاجة إلى رعاية خاصة بعد المدرسة كالرعاية الصحية للمرضى والمعاقين فإن هذه المجالس تتكفل بمصاريف هذه الرعاية وتقسط المبلغ على الأسر بطريقة ميسرة وعلى فترة سداد طويلة،

أو قد يقوم أحد المتطوعين بتقديم هذه الرعاية مجاناً لمن هم في حاجة لها كجزء من مساهمته في المجتمع.

وبالنسبة لأرباب الأسر العاطلين عن العمل فإن المجالس تقدم لهم خدمات متنوعة لمساعدتهم على الحصول على وظيفة، حيث يتم إدخالهم في دورات تدريبية متنوعة لرفع كفاءاتهم،

ومن ثم تقوم مجالس المناطق بجدولة مجموعة من المقابلات الوظيفية لكل عاطل عن العمل بما يتناسب مع قدراته ومؤهلاته إلى أن يحصل على وظيفة، وخلال فترة البحث يتم دفع مبلغ مالي إلى العاطل عن العمل حتى يستطيع أن يعيل أسرته ويعيش بكرامة ويتمتع بحقوقه كأي مواطن آخر.

بجانب هذه المساعدات الإنسانية تقوم مجالس تنمية المجتمع بتقريب الثقافات المختلفة في المجتمع السنغافوري وتسعى إلى تعزيز التواصل بين أفراده، فالطالب على سبيل المثال يمكنه أن يشترك في أحد برامج «الانسجام العرقي» التي توفرها المجالس، وهي مبادرة تهدف إلى تقريب الثقافات من بعضها البعض،

حيث يبيت الطالب في إجازة نهاية الأسبوع عند أسرة تنحدر من ثقافة تختلف عن ثقافته، ليتعلم أشياء جديدة عن الثقافات المختلفة في مجتمعه ولينقل بدوره ثقافته إلى الآخرين، وبالتالي تنشأ الأجيال الجديدة دون أن تشعر بالفرق بينها على الرغم من اختلاف أعراقها ودياناتها.

ومن أكثر المبادرات نجاحاً هي مبادرة جائزة التميز الشبابي التي تمنح للشباب المتطوعين في المجتمع، حيث يجمع كل متطوع مجموعة من النقاط في كل مرة يقوم فيها بعمل تطوعي أو خيري وإن كان بسيطا، كأن يتبرع بالدم أو يزور جده وجدته أو أن يقوم بحملة جمع تبرعات لمشروع ما أو أن يتطوع للمشاركة في زراعة حديقة إحدى المدارس أو أن يصنع برنامجاً إلكترونياً لأحد المشاريع الخيرية في المجتمع، وغير ذلك من مبادرات تطور مهاراته الفردية وتنعكس على المجتمع بصورة إيجابية. وفي نهاية كل عام يكرم أكثر شاب حصل على عدد من النقاط.

عندما سألت صديقي عن القرية الأيرلندية أخبرني بأنها تقوم بالعديد من الأنشطة المجتمعية لمرتاديها إلى جانب الأنشطة الرياضية والترفيهية، فهناك متطوعون وناشطون اجتماعيون يعملون على تقوية العلاقات بين المجتمع المحدود الذي تضمه القرية.. عندها تمنيت أن أعود إلى البيت وأسأل جاري الآخر عن اسمه، علّنا نكوّن في يوم ما مجتمعاً متآلفاً لأبنائنا على الطريقة السنغافورية.

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com