هل ما زالت نظرية الغالب والمغلوب والقوي والضعيف والمنتصر والمهزوم وولع المغلوب بالغالب والنظر إليه نظرة إجلال وتقدير واحترام، هل صحيح هذه النظرية ما زالت مسيطرة على الذهن العربي، ومسؤولة عن معظم سلوكياتنا العملية منها أو العلمية أو الحياتية العادية، أم نحن في صدد مبالغة فكرية.
يكفيك جولة واحدة على مستوى المؤسسات الرسمية سواء الحكومية منها أو الخاصة أو حتى تلك البحثية منها والأكاديمية المسؤولة عن صناعة الفكر والموجه الرئيسي لمعظم أفعالنا، يكفيك جولة واحدة لترى بأم عينك بأن المؤسسات العربية لا تخلو من وجود ذلك الخبير الأجنبي القابع في ركن من أركان تلك المؤسسات لا تتحرك شوارد الأمور ولا بواطنها إلا بموافقة منه، يراقب عن كثب جميع التصرفات والإشارات والحركات والإيماءات ما ظهر منها وما بطن، فهو المسؤول الأول والأخير عن اتخاذ القرار الرئيسي.
والأمر لا يقتصر على مجالات العمل سواء الرسمية منها أو الخاصة، فعقدة الأجنبي امتدت لتشمل جميع أوجه حياتنا، فلا يخفى على أحد أن ملاعب الكرة لم تسلم من هذه العقدة وربما كانت متأصلة فيها وواضحة قبل أن تنتشر على الصورة التي نراها فيها اليوم،
فالفريق العربي الذي لا يملك لاعبا أجنبيا تصبح لديه نتيجة مسبقة بالخسارة وعدم الفوز، والأمر لم يقتصر على اللاعبين بل امتد ليشمل حكام المباريات حتى تلك المباريات المحلية والدورية التي لا شأن للدولية فيها. وقس على ذلك جميع أوجه الحياة سواء الضرورية منها أو الكمالية من طعام وملابس وأثاث وإكسسوارات، فكل ما هو أجنبي وخواجة ومستورد من وراء البحار هو الأفضل وما دونه يأتي في المراتب المتأخرة.
والشيء العجيب والغريب حتى ولو كانت هذه السلع مصنعة في إحدى الدول العربية أو محلياً يطبع عليها بأنها مصنعة أجنبياً حتى تباع. بالفعل هناك عقدة متأصلة في نفوسنا ولا بد من علاجها والوقوف عندها.
لا أخفيكم علماً بأن هذا الموضوع لطالما لازم مخيلتي الفكرية ولم يبارحها منذ فترة طويلة، فكان محركاً رئيسياً لمعظم تصرفاتي، فكنت أبدي دهشتي واستغرابي من انبهار الناس بكل ما هو غربي وأجنبي. وأذكر فيما أذكره إنني كنت أفضل شراء السلع العربية المصنعة عن الأجنبية وذلك دعماً وتشجيعاً للمنتج المحلي والعربي مهما كانت مواصفاته، ولكن الصورة اليوم تغيرت،
ولم تعد المفاضلة بين المحلي والعربي والأجنبي في السلع المادية، بل امتد ليشمل مصانع الفكر المتمثلة في الجامعات الحكومية والمعاهد وهنا تكمن الأزمة الحقيقية. وهنا كذلك لا بد من وقفة فلسفية وتنظيرية حول أهمية التعليم. فالتعليم قضية وطنية وجوهرية فهي صمام الأمان الأول لأي مجتمع كان،
فبواسطة التعليم تتبلور الأفكار والمفاهيم والقيم التي تحدد مسار العمل فيما بعد وتشكل ملامح الدولة فيما بعد. والتعليم واللغة والقيم إرث حضاري لأي مجتمع من المجتمعات من الصعب جداً التفريط فيهم، فكيف تسلم هذه الأمانة إلى يد أجنبي عنها يجهل قيمتها الحضارية والروحية.
في حين ترى مجتمعات لا تملك تاريخا حضاريا ولكنها تسعى إلى امتلاكه حتى ولو كان بالزور والبهتان واغتصاب الأراضي واستعمارها وتهجير أهلها منها وتزوير الحقائق، فكيف بالذي يملك ويفرط بالذي لا يملك ولا يفرط هناك تكمن الأزمة الحقيقية.
في الواقع موضوع الانبهار العربي بالغرب وبكل ما هو أجنبي ومستورد، والثقة المطلقة بالخبراء الأجانب موضوع يستحق الدراسة والبحث، وهو موضوع قديم جديد، فعندما تعود لقراءة الكتب المتعلقة بتاريخ العرب الحديث، يصادفك المستشار والإداري والقائد البريطاني وهو محتل معظم صفحات هذه الكتب، يتحدث عن تاريخ المنطقة سواء السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي والإداري في وثائقه ومراسلاته ومذكراته المتعلقة بكل شاردة وواردة حدثت في تلك الفترة. وتعتبر الوثائق الأجنبية اليوم من أهم المصادر التاريخية في كتابة تاريخ المنطقة.
وأذكر في هذا المقام مذكرات المستشار تشارلز بلغريف أثناء إقامته في البحرين (1926-1957)، فالمتتبع لتلك السيرة يلاحظ أن بلغريف هو المستشار المالي والإداري وقائد الشرطة. والسؤال الذي يطرح نفسه، من هو المسؤول عن تأصيل هذه العقدة في نفوسنا. اعتقد أننا نحن العرب المسؤولين عن ذلك فنحن من صنع ذلك الاعتقاد وآمن به.
إذاً الخلل في العقلية العربية، فهي تسير في اتجاهين، إما الاتكالية وعدم الثقة بالنفس وفلسفة مشّي حالك، والنتيجة مجتمعات عربية هشة تدور في فلك التبعية للأجنبي لم تحرز أي تقدم في أي من المجالات على الرغم من توافر جميع المؤهلات والمواد سواء البشرية منها أو المادية.
أما الاتجاه الآخر الذي تسير فيه العقلية العربية بجانب الاتكالية والتخاذل والنفاق والكذب، فهو الراديكالية واعتبار الحركات الجهادية اليوم في العراق وفلسطين ولبنان بداية لتأسيس مشروع حضاري سيهزم عقدة الانبهار بكل ما هو غربي وأجنبي وسيعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، فأين طريق العقل والاعتدال والثقة بالنفس؟ يبدو أننا تحررنا جغرافياً ولكن ما زالت عقولنا قيد الاستعمار الداخلي والخارجي. والرهان الأجنبي على فك عقولنا من عقدة الخواجة و«الفرنجي برنجي» ستظل إلى فترة طويلة.
مركز زايد للتراث والتاريخ