يشارك في مؤتمر بغداد ممثلو دول من كل حدب وصوب، منها دول الجوار العراقي، والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بالإضافة إلى مصر وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي. وهكذا فلكل مجتهد نصيب في هذا المؤتمر، ولم يترك السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق أحداً له علاقة أو شبه علاقة إلا دعاه. وعليه فحضوره منوع متعدد المشارب والآراء والأهواء والمنابت والمصالح ويصح عليه المثل المصري الشهير (سمك لبن تمر هندي).
ويرجو السيد المالكي كما ترجو الإدارة الأميركية أن يدشن طريق الخلاص لكل منهما ويساعده على الخروج من ورطته ويرسم بداية نجاح خطة كل منهما التي أعلنها وبداية الخلاص من الورطة الأميركية التي أدت بإدارة الرئيس بوش كي تبحث عن أي حل يخرجها من العراق مع بقية من ماء الوجه، حتى لو اضطرت لقبول ما كانت ترفضه (كمشاركة إيران وسورية)، والتنازل عما تعتبره من الثوابت، والتراجع عن شيء من صلفها وإدعاءاتها ومزاعمها وأوهامها.
يلاحظ من حيث الشكل أن المؤتمر يجمع ممثلي دول لا تلتقي على شيء جدي في العراق ولا حتى على التهدئة أو وقف المذابح والعنف الداخلي وهو أضعف الإيمان، وإنما تركز عين كل منها على هدف آخر مختلف، فبعضها يطمح للفيدرالية تمهيداً لتقسيم العراق والهيمنة عليه والاستفادة من ذلك استراتيجياً لأمد طويل، والبعض الآخر يفتش عن مكسب حيوي يقتنصه إذا ما تفكك العراق،
وبعض المشاركين يتلهف لتوقيع عقد اقتصادي هنا والحصول على منفعة هناك وسوق لسلاحه ومصدر لنفطه، والمحتل الأميركي يريد العراق كله بالإضافة إلى تأمين انسحاب غير مذل لجنوده وتفادي هزيمة لابد منها سوف تنعكس على وضعه الداخلي في بلاده، ومثله المحتل البريطاني وهو الوحيد في العالم الذي يعتقد واهماً أنه مستقل عن السياسة الأميركية وليس تابعاً لها،
وتبقى البلدان العربية هي الوحيدة التي عينها على الوصول لشروط موضوعية تضمن وحدة العراق وأمنه وسلامة أراضيه دون أن تمتلك مع الأسف السبل المطلوبة لتحقيق هذا الهدف. وهكذا يشكل المؤتمر خليطاً من الدول ذات المصالح المتناقضة أو على الأقل المتباينة والتي لا يتمتع بعضها بنوايا حسنة تجاه حل المشكلة العراقية.
ويلاحظ من حيث المضمون أن جدول أعمال المؤتمر غير واضح، فطوراً يقال ان هدف المؤتمر الأساس هو دعم حكومة السيد المالكي وإظهارها أمام الشعب وأمام الشركاء الآخرين بأنها مدعومة دولياً وبالتالي مؤهلة لتعيش طويلاً، وطوراً ثانياً يقال ان هدف المؤتمر هو تكريس (المصالحة) الوطنية التي تزعم حكومة المالكي أنها تسعى إليها،
خاصة وأن لكل من الدول المدعوة نصيباً داخل التيارات العراقية المتصارعة، والبعض يقول ان هدف المؤتمر هو البحث عن حلول للتناقضات العراقية والأحداث التي تجري على الأرض هناك، من عنف طائفي وخلافات حول سبل بناء جيش جديد، والقضاء على المقاومة المسلحة للاحتلال الأجنبي،
وعزل المقاومة السياسية، وفي الخلاصة لم تستطع الدول المشاركة أو الجهات الداعية سواء الحكومة العراقية أو المحتل الأميركي بإيجاد إطار أو أرضية أو بضعة توافقات تصلح كي تشكل جدول أعمال للمجتمعين، وهكذا فكل يغني على ليلاه وبآلته الموسيقية الخاصة ويصدر الجميع أصواتاً متداخلة ومتعارضة لا تنتظم في سلم موسيقي واحد ويضبط إيقاع أصواتها بارتفاعها وانخفاضها بحدتها وبرخامتها مما يشبه أغنية الشيطان في نهاية المطاف وأغنية الشيطان لا نهاية لها.
أبلغ الرئيس جورج بوش شعبه وشعوب العالم أن خطته الجديدة خطة محكمة وستؤتي ثمارها خلال أشهر، وتفادى بذلك غضب الكونغرس ومعارضته المحتملة، وفي مناخ من التهليل والتطبيل بدأ تنفيذ الخطة ومرت بضعة أسابيع حتى الآن على هذا دون أن نشهد أي دليل على إمكانية نجاحها، وأخذ السياسيون والمحللون الأميركيون يعبرون صراحة عن خيبتهم وخيبة الخطة نفسها،
وأخذت أبواق الإدارة تلمح إلى أن بوادر نجاح هذه الخطة يحتاج لبضعة أشهر ليتحقق (كمن يؤجل الموت المحتوم) وأدركت الإدارة الأميركية النتائج المريعة للورطة الجديدة أي فشل الخطة، ولذلك فبعد أن كانت ترفض الامتثال لتقرير بيكر ـ هاملتون القاضي بالاجتماع مع سوريا وإيران، قبلت الآن تنفيذ هذا المقترح وهاهي تشارك ومعها على الطاولة نفسها ممثلون لإيران وسوريا، وما كان ذلك ليحصل لولا قناعتها بفشل خطتها التي أعدت لها المال والرجال.
وأبلغنا رئيس الوزراء نوري المالكي منذ تشكيل وزارته أنه سيحقق المصالحة الوطنية ويعيد بناء الجيش انطلاقاً من دعوة ضباط الجيش السابق وجنوده للخدمة، وأقسم بأغلظ الإيمان أنه لن يكون مع طائفة دون أخرى، ولكن الذي لاحظه القاصي والداني أنه ليس بريئاً من المرض الطائفي وأنه يعقد الصفقات مع طائفة أو جزء من طائفة دون أخرى، وأن خطته التي يشترك فيها مع خطة الرئيس بوش إنما هي عمليات ثأر طائفي،
حتى أن الذين سجلوا أنفسهم من ضباط الجيش السابق ليعودوا للخدمة اغتيلوا جميعاً بعد أن عرفت عناوينهم وها هو الآن يعقد مؤتمراً ليغطي من خلاله (سوءاته) ويؤكد بعد المؤتمر أن المشكلة مستحيلة الحل إلا بالتصفية التي ستقوم بها قواته لاحقاً.
يعرف السيد المالكي وتعرف الإدارة الأميركية أن حل المشكلة العراقية هو حل سياسي أولاً وأخيراً، وأنه عراقي أولاً وأخيراً، وأنه لو انسحب المحتل وسحب معه أعوانه لما اختلف العراقيون على شيء. ومع أنهم يعرفون ذلك فإنهم يبحثون عن الحل في مكان آخر وبأسلوب آخر،
وبالتأكيد لن يصلوا إلى أي حل لأنهم يتجاهلون تعديل الدستور ليستوفي ما حرمت منه بعض الفئات، ويرفضون عقد انتخابات جديدة يشارك فيها الجميع بعيدة عن لوثة المحاصصة التي أشاعها بريمر، ولا يريدون الاعتراف بأن العراق لكل أبنائه ولكل نصيب فيه، وإلا فإن المؤتمر هو هروب إلى الأمام بانتظار مؤتمر وزراء الخارجية الذي ستحضره الوزيرة رايس وتدعو إليه دولا أخرى قد يصل عددها إلى نصف عدد دول العالم دون جدوى.
كاتب سوري