المثل الشائع الذي يقول (أفضل أن تأتي متأخراً من ألا تأتي أبداً ) ينطبق بشكل كبير على توجهات البيت الأبيض الأميركي في الأيام الماضية، بعد التصعيد الحاد في التصريحات الأميركية ضد روسيا، والتهديدات بنشر أنظمة الدفاع الصاروخية في شرق أوروبا بالقرب من الحدود الروسية،

وبعد تصريحات نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع روبرت جيتس التي وضعت روسيا في قائمة الأعداء، عاد البيت الأبيض يهدئ من تصريحاته ويسحب بعضها ويعتذر عن الأخرى، وعلى ما يبدو أن الإدارة الأميركية الحالية قد وجدت صفحاتها قد امتلأت بالسواد على مدى السنوات الست الماضية،

وأنها لم تترك شيئا لا للتاريخ ولا حتى لمن سينافس على انتخابات الرئاسة من الجمهوريين في العام المقبل فقررت أن تسعى للتخفيف ولتحسين شيء من سمعتها، ولم يكن هذا فقط مع روسيا بل أيضا مع جهات أخرى على رأس قائمة محور الشر الأميركي مثل كوريا الشمالية وإيران وسوريا فقد شهدت نيويورك في الأسبوع المنصرم مباحثات تاريخية ومباشرة بين مسؤولين كبار من واشنطن وبيونغ يانغ وكان محور المباحثات تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بعد عقود طويلة من العداء، ويتوقع المراقبون أن يصدر عن الولايات المتحدة قريبا اعترافا دبلوماسيا بدولة ونظام كوريا الشمالية.

على الجانب الآخر وفي الشرق الأوسط يتوقع عقد مؤتمر دولي في بغداد بشأن التسوية في العراق، والغريب في الأمر أن واشنطن نفسها هي التي وجهت الدعوة إلى كل من سوريا وإيران ـ البلدان المدرجان على قمة القائمة السوداء الأميركية لبلدان «محور الشر».

هذا الانعطاف الحاد في الدبلوماسية الأميركية يثير الدهشة والعديد من التساؤلات، خاصة وأنه جاء في غضون أقل من شهرين كانا مليئين بالتصعيدات الحادة في التصريحات بين واشنطن من جهة وبين الأطراف الأربعة روسيا وكوريا الشمالية وإيران وسوريا من جهة أخرى، ولا نستطيع أن نقول أن الأمور هدأت بين الجانبين، ولكنها هدأت على جانب واحد منهما وهو الجانب الأميركي، وهذا هو المثير للدهشة.

ونتذكر هنا منذ شهرين وبالتحديد في أواسط يناير الماضي عندما أطلقت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس عددا من التصريحات الحادة أمام مجلس الشيوخ تؤكد فيها أن الولايات المتحدة لن تشارك بأي اتصالات دبلوماسية ثنائية مهما كانت مع كوريا الشمالية وإيران وسوريا طالما لم تبد هذه البلدان «مرونة معقولة» في القضايا المختلف عليها.

وأعلنت وزيرة الخارجية الأميركية أن ما تمارسه هذه البلدان حاليا لا يسمى دبلوماسية وإنما يسمى «ابتزازا»، ولكن هذه البلدان لم تبد المرونة التي طلبتها رايس بل زادت في عنادها وتشددها، وهذا ما لاحظناه وسمعناها من تصريحات المسؤولين الإيرانيين، كما أن هذه البلدان لم تتوقف عن الابتزاز،

وهذا ما شاهدناه من كوريا الشمالية التي فرضت شروطها كاملة ولم تتنازل عن أي مطلب من مطالبها قبل أن تبد موافقتها على إيقاف برنامجها النووي، أما سوريا فقد زاد موقفها صلابة وقوة وإن كان مدعوما من موسكو، ولم تعد دمشق تعير اهتماما للتهديدات القادمة من الأوربيين او الأميركيين، خاصة بعد أن عادت موسكو تلعب دورا فعالا في الشرق الأوسط بناء على رغبة أطراف حيوية ومحورية فيه مثل المملكة السعودية والأردن والمعارضة اللبنانية وأيضا المقاومة الفلسطينية الإسلامية ( حماس ) التي أجرى ممثلوها مباحثات متمرة للغاية في موسكو الأسبوع الماضي.

وقد توصل «سداسي» المفاوضين بمشاركة الولايات المتحدة مؤخرا مع بيونغ يانغ إلى اتفاق توافق الأخيرة بموجبه على وقف مفاعلها النووي الرئيسي مقابل مساعدتها بالمواد الغذائية والوقود. وباغتت الدعوة إلى المؤتمر العراقي بدورها بكل معنى الكلمة طهران وأعجبت دمشق جدا مما أرغم الأخيرة على اعتبار هذه المبادرة بمثابة «خطوة أولى على الطريق الصائب».

هذا لا يعني أن الصقور قد هدأوا في واشنطن أو أنهم قد تراجعوا، بل ربما يمكن أن نطلق عليها استراحة المحارب الذي يعد لجولة أخرى من الصراع الذي على الأرجح ستكون ساحته داخل الولايات المتحدة وليس خارجها، وإن كان هذا لا يعني أن تهديدات الصقور بإشعال الأوضاع في الشرق الأوسط قد انتهت،

خاصة وأن الديمقراطيين في الكونغرس مازالوا يرفضون الموافقة على الزيادة في ميزانية الدفاع التي طلبها الرئيس بوش والذي قال مؤخرا أنه سيناضل من أجلها، الأمر الذي يعني التهديد بإشعال الحرب، وإن كانت أوضاع القوات الأميركية في العراق قد ساءت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة،

الأمر الذي انعكس بشكل واضح في تصريحات فريق من الضباط الكبار من مستشاري الجنرال ديفيد باتريوس القائد الجديد للقوات الأميركية في العراق والتي قالوا فيها انه لم يبق لدى الولايات المتحدة إلا ستة أشهر لتحقيق النصر في العراق. وفي حالة إخفاقها ستكون الهزيمة الكارثية على غرار فيتنام.

كما أظهرت الأوضاع واستطلاعات الرأي الأخيرة داخل الولايات المتحدة الأميركية أن معظم المواطنين الأميركيين لا يتفقون مع من يميل إلى الذود عن المصالح الأميركية في الخارج بواسطة الدبابات وليس الدبلوماسية. وأخذ جورج بوش وإدارته يكثرون كأي كيان على وشك أن تنتهي فترة حياته من التفكير بمساهمتهم في التاريخ وتحسين سمعتهم قبل الرحيل، ربما على أمل العودة أو على الأقل على أمل عدم إخفاق خلفائهم من الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

«محور الشر» من وجهة نظر واشنطن لا يزال باقيا. ولم يختف ولم يتوقف عن التكشير عن أنيابه وعن تصريحاته الحادة. ولكن حدث ما يتعين التسليم به وهو أنه لم تصمد النظرية الأميركية لإبعاد وإهمال وعزل أعداء واشنطن أمام تجربة الزمن العملية، ولم تنجح تصنيفات الدول الأخرى إلى شريرة وطيبة وعدوة وصديقة، وثبت لمن هم في البيت الأبيض الآن ولمن سيأتون بعدهم سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين أن التحدث مع الأصدقاء جيد بالطبع ولكن التحدث مع الخصوم والأعداء أمر حيوي وضروري أحياناً.

جامعة سيبيريا