انطلقت الآن أكبر خارطة بشرية في العالم تحت شعار «حب زايد» ومن قبل تآلفت قلوب المواطنين والوافدين مع منتخب الإمارات في رحلة تسجيل الفوز والنجاح، وقبل هذا وذاك، كانت الاحتفالات بالعيد الوطني الرابع والثلاثين والتي زخرت بالكثير من المشاهد التي تروي قصة التعايش على هذه الأرض بين مجتمعات وجنسيات متعددة الأطياف والألوان، وتمثل هذه المشاهد مجرد أمثلة على بروز تجربة إنسانية على أرض الإمارات قلما توجد مثيل لها في أي بقعة وهي تجربة التعايش بين ثقافات وحضارات وأساليب حياة متنوعة تحت مظلة الهوية الإماراتية.
وتطل إلى جانب المشاهد العامة مشاهد خاصة تبين صيرورة التفاعل بين الهوية الوطنية الإماراتية والهويات الوطنية الأخرى التي تتظلل بظلها. ولعل المشهد الذي مازال عالقا بذهني هو مشهد الاحتفالات بالعيد الوطني في مدرسة الشارقة العامة، حيث أقبل التلاميذ والطلبة على المشاركة في مثل هذه الاحتفالات،
ورأيت بعيني فتيانا وفتيات ينشدون النشيد الوطني الإماراتي، ورأيت التمازج الفريد بين المواطنين والوافدين، بل والتباري بينهم في التعبير عن سعادتهم وفرحتهم بهذه المناسبة، وفي إحدى فصول الحفل، رأيت الفتيات يؤدين عرضا مسرحيا حول نهضة الإمارات بملابسهن الوطنية، وكان عرضا شائقا إلى حد أن أحد الأطفال وجد في العلم الإماراتي وسيلته في التعبير عن فرحته، فأخذ يرفعه إلى أعلي وهو يرفرف به، فما كان من والده أن قام بوضع ابنه على كتفه حتى يرتفع العلم أكثر وأكثر.
ولن أنسى مشهد لقائي الأول مع خور دبي، قادتني قدماي إلى الخور في خروجي الأول لمشاهدة الشوارع والناس في الإمارات، كان الوقت ليلا، ولم أكن أعرف بأنه يوجد في الإمارات بحيرات أو شرايين مياه تنساب من منطقة إلى أخري، وعندما اقتربت من الخور، ونظرت إلى صفحة مياهه وهي تتعانق مع الأبنية والأضواء، تذكرت القاهرة مسقط رأسي، أو بالأحرى معشوقتي التي أعشقها بكل ما فيها، عاد عقلي إلى الوراء عندما كنت أسير متهاديا على كوبري قصر النيل، وأتأمل صفحة مياه النهر وهي تروي حكايات ناس عاشوا على جوانبه منذ آلاف السنين.
ومازال عالقا في ذهني الحوار الذي دار بيني وبين زميلي المتخصص في العقارات، وكان الحديث يدور حول أثر تكلفة المعيشة على القدرة التنافسية للدولة، إذ وجدت نفسي أسرع إلى القول بأنه من مصلحة الدولة أن تعمل على خفض الإيجارات للحفاظ على مزاياها التنافسية في جذب الأعمال،
ثم توقفت قليلا مع نفسي وتساءلت من تكون أنت لتتحدث عن مصالح دولة الإمارات، وقطعت حواري الداخلي، وانبريت قائلا نحن الوافدين جزء من هذا الحلم، فرد زميلي قائلا إننا شركاء، فما كان مني إلا أن رددت عليه بأننا نحن الوافدون العرب نتوق إلى تحقيق النجاح. وربما هناك مشاهد أخرى أكثر تأثيرا وبلاغة لدي شرائح وفئات أخرى مقيمة في الدولة، ولكن يظل القاسم المشترك بينها هو التجاذب والتفاعل اليومي المعاش بين الهوية الوطنية الإماراتية والهويات الوطنية الأخرى.
لقد تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أن الهوية الوطنية قيمة مطلقة لا تقبل التجزؤ أو الانقسام، ولا تقبل أن يكون بجانبها هوية وطنية لدولة أخرى غير تلك التي يوجد فيها مسقط رؤوسنا، تعلمنا أيضا أن الهوية ليست وثيقة وإنما حالة ذهنية وعاطفية ترافق المرء طوال رحلة حياته، حتى ولو توارى جثمانه في ثرى غير ثرى أرض وطنه، تعلمنا كذلك أن نفخر ونعتز بكل ما ورثناه من الأرض التي انحدرنا منها.
وتلك هي الدروس التي صاحبتنا طوال رحلة الحياة، ولكن على أرض الإمارات، يبرز للعيان تجربة إنسانية تدعو للحيرة والتساؤل معا، إذ إننا إزاء مزيج متنوع من الثقافات والحضارات وأساليب الحياة، بحيث يصح القول إن قسمات وتعبيرات الكون بما عليه من تجمعات بشرية متنوعة ومختلفة قد شقت طريقها إلى أرض الإمارات، وما قد يثير التعجب والدهشة لدى البعض أن هذا القسمات والتعبيرات تتعايش مع بعضها البعض في وئام وسلام.
وفي بوتقة التعايش، ليس مطلوبا أن يتخلى المرء عن مواريثه الحضارية والثقافية واللغوية، وليس مطلوبا أن ينزع عن جسده هويته الوطنية، وليس مطلوبا أن يمحو من عقله ذاكرته الوطنية، بل مطلوبا أن يجيد قواعد التعايش المشترك، طالما ارتضى طواعية وبكامل إرادته أن يقضي فصلا من فصول حياته على أرض الإمارات، وطالما ارتضى أن يكون جزءا من هذا النسيج الاجتماعي بألوانه وأطيافه المتنوعة، وشتان الفرق بين بوتقة التعايش وبوتقة الصهر.