بعد تمهيدات عسكرية وسياسية وإعلامية متزايدة، بدأ العمل بالخطة الأميركية الأمنية الجديدة في العراق، بانطلاقة مدوية في العاصمة بغداد، كما كان قد أعلن من قبل. آلاف من الجنود الأميركيين وجنود الحكومة العراقية احتلوا شوارع العاصمة بغداد، أقاموا الحواجز، وأخذوا في نشر دوريات الدهم والتفتيش، لكن بعد ما يقارب ثلاثة أسابيع لم يتغير الكثير سوى تحويل المدينة المترامية الأطراف إلي ثكنة عسكرية.
فالعنف الدموي لا يزال مستمرا بتواصل العمليات التفجيرية، فأميركا لا تزال عاجزة عن إحكام السيطرة علي العراق كله، الذي تصل مساحته إلى أقل من نصف مليون كيلومتر مربع من الأرض العربية بقليل، لا بد ان يكون تحت إمرة الولايات المتحدة ما لا يقل عن مليون جندي.
مثل هذا الرقم يستدعي جلب كل الجيش الأميركي تقريباً إلى العراق، وهو خيار مستحيل، أو استدعاء قوات غربية حليفة لسد هذا العجز، وهو خيار لا يقل استحالة بعد ان انهار مشروع احتلال العراق، سياسياً وأخلاقياً، ولم يعد من الممكن الدفاع عنه وسط ارتفاع الأصوات المنادية بانسحاب الولايات المتحدة من العراق.
ومن الإنصاف الإقرار بأن من المبكر إصدار أحكام قاطعة على مدى نجاح هذه الخطة الأخرى. لكن من المنطقي توقع تراجع العنف عندما تنشر كل هذه العشرات من ألوف الجنود في مدينة واحدة، فعليك ان تتوقع ان يستطيع الجنود تحقيق ولو جزء من أهدافهم وهي تحقيق الأمن في بغداد والحد من مسلسل العمليات التفجيرية، لكن الواقع اثبت فشلاً ذريعاً في تحقيق الأمن الذي وعد به الأميركيون.
منذ أن بدأت خطة فرض القانون أو الخطة الأمنية في بغداد والشارع العراقي يتأرجح بين الآمال والتمنيات بالنجاح من جهة، والتشاؤم والخوف من إخفاق هذه الخطة كسابقاتها والهبوط درجة أخرى وأعمق في هوة الدمار والاقتراب من قاع الجحيم.
قد يعتمد نجاح الخطة على منطلقات رئيسية وبالغة الدقة كون الهدف الذي انطلقت من اجله لم يكن هدفا بسيطا أو عدوا مكشوفا بالإمكان التعامل معه وفق آلية محددة، وهذا العامل المهم يحتاج إلى جهد استثنائي وتلاحم بين جميع الأطراف الداخلة في العملية السياسية كون النجاح إذا تحقق لا يحسب نجاحا لجهة محددة أو طرف معين بل يحسب نجاحا عراقيا خالصا.
فمشكلة العراق في الأصل تكمن في وجود الاحتلال نفسه، في نظام المحاصصة الطائفية والإثنية، في دستور رسم للإعداد لتقسيم البلاد لا لوحدتها، وفي طبقة سياسية من الذين لا يجمع الكثير من أعضائها إلا التنافس للحفاظ على مقاليد السلطة والنفوذ. إن الاختلاف والصراع ليسا نابعين من مجرد رغبات فحسب، بل من مصالح يخشى كل طرف على ضياعها ويعمل على انتزاعها بغض النظر عن العواقب المحتملة، في وقت تتوفر إمكانية للحوار الجدي والاتفاق على التنسيق والتوافق في المصالح لمواجهة العنف.
فاحتلال العراق شكل تأسيسا جديدا لمسار العنف الذي تراه واشنطن ضروريا في هذه المرحلة، وهو قادر أيضا على خلق إزاحة للإرهاب من الولايات المتحدة باتجاه الشرق الأوسط. ووفق هذه الرؤية بدأ التعامل مع المنطقة ليس على أساس وجود الجيش الأمير كي كقاعدة لفرض سياسة جديدة، إنما لإنشاء واقع يفتح منافذ الإرهاب للمنطقة عبر تشتيت أي مسار سياسي نحو إجراءات أمنية فعالة.
ربما يكون هناك تسرع في استنتاجات الحرب على العراق، فالجيش الأميركي لا يظهر اليوم على انه قوة أتت لتبقى، بل يبدو أنه قوة تشتيت سياسي أشعلت مسار العنف في المنطقة ككل، وفتحت منافذ للإرهاب داخل منطقة تشهد صراعات متعددة. والاستراتيجية الأميركية استطاعت نقل معركتها على «القاعدة»، أو غيرها إلى الجغرافية التي تعتبرها محروقة، وبحاجة لتأسيس ثقافة جديدة، ويبدو أننا اليوم أمام سؤال صعب بعد الحدث الأخير في العراق: هل الشرق الأوسط الكبير يحتاج إلى هذا الكم من العنف والاضطراب حتى يتم تأسيسه؟.
ولذا فقد كانت هناك حاجة ماسة لعقد مؤتمر إقليمي وبمشاركة ورقابة دولية لغرض وضع النقاط على الحروف وإيقاف دول المنطقة أمام مسؤولياتها التاريخية حيال العراق وإبلاغها بأن الكيل قد طفح وان صبر العراقيين قد نفد، ولقد آن الأوان لاتخاذ إجراءات جدية وحازمة من قبل دول المنطقة لوقف نزيف الدم في العراق وإلا فان نار العراق ستحرق المنطقة ولن يسلم احد من شظايا العراق الذي أضحى كقنبلة موقوتة صنعها الأميركيون من اجل تحقيق مشروعهم التقسيمي في المنطقة العربية، وقد آن الأوان للجميع لنزع فتيلها.
benhadnal@yahoo.fr