بناء على دعوة موجهة من الحكومة العراقية سيُعقد في العاشر من مارس الجاري في بغداد مؤتمراً دولياً للتداول حول الأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق، وربما يتطرق المجتمعون إلى قضايا أخرى شائكة في منطقة الشرق الأوسط كالقضية الفلسطينية والوضع في لبنان والملف النووي الإيراني. وسيحضر المؤتمر مندوبون عن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وعن دول الجوار العراقي، ومندوبون عن منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية، وسيكون مستوى التمثيل في المرحلة الأولى منه دون المستوى الوزاري يعقبه في المرحلة الثانية لقاء على مستوى وزراء الخارجية.
لاقت الدعوة لحضور هذا المؤتمر ترحيباً من قبل جميع المدعوين لأسباب مختلفة، بعضها نابع من مصالح مباشرة وأخرى لدرء مخاطر قادمة قد يساعد حضور المؤتمر على استبعادها. إلا أن السبب الأكثر أهمية وراء الترحيب الكبير بالحضور هو خشية جميع الأطراف من انزلاق العراق إلى حمأة حرب أهلية، أوسع نطاقاً، على أسس مذهبية تشعل نيراناً من الصعب جداً إطفاؤها في المنطقة.
فالولايات المتحدة ليس لها من خيار سوى النجاح بما بدأته قبل أربع سنوات رغم الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها والتي ساعدت على ايجاد الأجواء المتوترة في العراق، على مدى السنوات الماضية، ووفرت بذلك فرصاً مغرية لبعض دول الجوار للتدخل في شؤونه الداخلية وإيصاله إلى ما وصل إليه من حالة مزرية أوشكت أن تضع نهاية للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط. فالبديل لذلك ليس غير الانسحاب وترك الساحة في غليان قد تنبثق عنه مسارات كثيرة غير متوقعة تجر إلى المزيد من التداعي في هذه المنطقة التي يحتاج العالم نفطها وغازها.
ويأتي عقد هذا المؤتمر في ظروف تكثفت فيها اللقاءات والاجتماعات بين السياسيين في المنطقة على مستويات مختلفة، كان آخرها لقاء الرئيس الإيراني مع العاهل السعودي، وكذلك انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب في القاهرة، ولم يكن الملف العراقي، وهو الأكثر سخونة بين مجموعة من الملفات الساخنة في المنطقة، غائباً عن الحضور.
ولا يخفى على من يتابع ما يجري في العراق ان هذا المؤتمر يُعقد بعد فترة وجيزة من بدأ الخطة الأمنية الجديدة التي يشترك في تنفيذها القوات العراقية والأميركية في كثافة غير مسبوقة، وبعد أن أصدرت الحكومة العراقية قرارها بإعادة مجموعة كبيرة من ضباط الجيش العراقي المنحل إلى الخدمة، ويأتي كذلك وسط توقعات في حصول تغيير وشيك في التشكيلة الوزارية العراقية، وتوقع في اصطفافات سياسية جديدة تحت قبة مجلس النواب العراقي قد تغير من خارطة القوى.
لقد تحملت الولايات المتحدة لوحدها طيلة السنوات الأربع الماضية تقريع الأوساط الدولية لسوء إدارتها للملف العراقي وحرصها على الانفراد به رغم دعوة العديد من الأطراف، في مناسبات عدة، إلى تدويل القضية العراقية والتي كان آخرها ما ورد على لسان الأمين العام للجامعة العربية، وهي الدعوة التي لم تلق ترحيباً لدى الخارجية العراقية معتبرة إياها انتقاصاً من سيادة العراق، مع ان المؤتمر المزمع عقده خلال الأيام المقبلة في بغداد هو شكل من أشكال التدويل للشأن العراقي.
إن أبرز ما يتعلق بهذا المؤتمر هو موافقة الولايات المتحدة على الحضور جنباً إلى جنب كل من إيران وسوريا بخلاف موقفها المعلن في استبعاد هذين البلدين عن أي حوار يتعلق بالشأن العراقي. ويبدو أن الإدارة الأميركية، التي تتعرض لضغوطات كبيرة في الداخل والخارج، قد أخذت بما ورد في تقرير مجموعة دراسة العراق، الذي وُضع من قبل جيمس بيكر ولي هاملتون، والذي أوصوا فيه فتح حوار مباشر مع كل من إيران وسوريا في الشأن العراقي كجزء من استراتيجية جديدة ينبغي على الولايات المتحدة أن تنتهجها في منطقة الشرق الأوسط.
إن المرونة التي أظهرتها الإدارة الأميركية فيما يتعلق بعدم الممانعة من الحضور الإيراني والسوري في هذا المؤتمر، تعكس رغبة أميركية في تنفيذ السياسات التي تتعلق بمصالحها العليا وهي توفير فرص النجاح للعملية السياسية في العراق التي بدأتها، وهي في سبيل ذلك لا تمانع في انتهاج أي موقف يقربها من هذا الهدف.
فهي بجلوسها مع مندوبي إيران وسوريا لا تقدم تنازلاً يستحق الذكر لاسيما وأن اللقاء سيكون في مرحلته الأولى على مستوى دون التمثيل الوزاري. كما تعكس هذه المرونة أمراً آخر لا يقل أهمية عما ذكرناه وهو أن الولايات المتحدة ربما بدأت تدرك أنها قد تحقق تقدماً أكبر في فرض سياساتها في الشرق الأوسط بوجود قنوات حوار مباشرة، حتى لو كانت على مستوى متدن، مع إيران وسوريا، أكثر مما تستطيع تحقيقه بإصرارها على عزل هاتين الدولتين.
ويأتي ذلك مع بدء التخوف من عودة النفوذ الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط والتي تزايدت بعد التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الروسي بوتين في مؤتمر ميونخ للسلام وبعد زيارته التاريخية لبعض دول المنطقة مؤخراً.
لقد كسب الرئيس الأميركي الانتخابات الرئاسية الثانية للولايات المتحدة على قاعدة الملف الأمني الذي أصبح بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر شديد التأثير على توجه الناخب، وها هو يلوح بالملف نفسه على مستوى العالم، خاصة بعد أن طالت التفجيرات الإرهابية مناطق أخرى من العالم، في أوربا وآسيا، فالفشل الأميركي في العراق، حسب ما تسوقه الإدارة الأميركية، يعني سقوط هذا البلد الثري بأيدي المنظمات الإرهابية التي لن تبخل على أحد بانتحارييها وسياراتها المفخخة.
وإن انسحاب الولايات المتحدة من العراق هو الإقرار بالهزيمة ومنح المنظمات الإرهابية، وخاصة تنظيم القاعدة، فرصة ذهبية تتمثل في الإدعاء بأنها قد تمكنت من دحر الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ثم دحر الولايات المتحدة في العراق، وبتعبير آخر التمكن من دحر أعظم قوتين في العالم.
فهل سيوفر المؤتمر فرصة لمن يريد فعلاً مساعدة الشعب العراقي على تجاوز محنته؟، وهل سيوفر فرصة للتعرف على حقيقة النوايا المبيتة للعراق؟ وهل سيوفر غطاءً تحتمي الولايات المتحدة به لتنفيذ سياسات محتملة في حالة إخلال بعض دول الجوار في تفسير توصياته؟
إنه طور جديد في التعامل مع الملف العراقي تعمل الدبلوماسية الأميركية دوراً أساسياً فيه لتقدير الحجم الذي ستتخلى عنه، من حقها في صناعة القرار فيما يخص الشأن العراقي!!، لصالح فرقاء آخرين لم تعد تستطيع تجاهل أهميتهم. إن اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية هو تجسيد لشعور ودي ينبثق عنه عادة استعداد الفرقاء لتجاوز بعض العقبات وينبثق عنه كذلك تقليص أو إيقاف للعمليات العسكرية كثمن للدخول في العملية السياسية،
وهذا ما حدث فعلاً في الماضي حين أوقفت الولايات المتحدة إطلاق النار في كوريا وأوقفت قصف فيتنام عند بدء المفاوضات لإنهاء الحربين في هذين البلدين. إلا أن ما نراه الآن ربما يختلف عن ذلك في بعض الأوجه، فالولايات المتحدة تكثف من وجودها العسكري في المنطقة، وبعض دول الجوار لا تكف عن استعراض عضلاتها على الصعيدين الإعلامي والعسكري مما يثير القلق حول آفاق النجاح المتوافرة لهذا المؤتمر.
لقد تأخر كثيراً عقد هذا المؤتمر، وكان من نتائج هذا التأخير تراجع في فرص نجاحه من جهة، وزيادة في الخسائر البشرية والمادية لدى الجانب الأميركي يقابلها مئات الأضعاف من الخسائر لدى الجانب العراقي من جهة أخرى. كما عمل هذا التأخير على ايجاد المزيد من التوترات في المنطقة. وأخيراً ليس في وسع المرء في ضوء ما جرى ويجري في العراق سوى أن يوصي الحضور ببذل كل ما في وسعهم لإنجاح هذا المؤتمر وإخراج العراق من الجحيم الذي يسير إليه.
كاتب عراقي
majamal@emirates