في ربيع العام الماضي قدمت «البيان» عرضا تحليليا ونقديا لكتاب فوكوياما، المفكر الأميركي الياباني الأصل بعنوان «أميركا عند مفترق الطريق» وقد تم ذلك فور صدور الكتاب في أميركا وسط ضجة أثارها وخاصة عندما وجه فوكوياما في سطور كتابه انتقادات لاذعة إلى فصيل «المحافظين الجدد» المتحكمين في السياسة - الخارجية بالذات - للولايات المتحدة.. وهم الذين قادوها إلى الحرب على جبهتين مشتعلتين في الشرقين الأوسط (العراق) والأدنى (افغانستان).
بل ومنهم من لا يزال يدق طبول الحرب ويدعو إلى حشد مزيد من امكانات الآلة العسكرية الأميركية لخوض حرب جديدة، مع اختلاف الأساليب، على جبهة إيران.يومها كان حرص «البيان» على تأكيد العنصر الذي استجدّ على فكر فوكوياما وقد تجسد هذا العنصر في ظاهرة وصفناها بأنها اقرب إلى «الطلاق البائن بين المفكر الاستراتيجي الأميركي وبين الخط والنهج الفكري للمحافظين الجدد».
ولقد استرعى الاهتمام وقتها كيف أن فوكوياما أعلن رفضه أو بالأدق مفارقته للنهج الأيديولوجي الذي يطل على العالم وقضاياه من منظور عقائدي ويستند إلى مواقف مسبقة، متعصبة في معظمها، وخاصة إزاء جموع المسلمين والعرب بل وشعوب العالم الثالث وكأنما استلهمت هذه المواقف الأيديولوجية أصولها من مقولة «تصادم الحضارات» التي ذاعت في الفكر الأميركي منذ بداية عقد التسعينات.
بدلا من ذلك دعا فوكوياما إلى اتباع ما وصفه بأنه «نهج الواقعية.. الجديدة« بمعنى الإطلالة على العالم من منظور براغماتي يتوخى تبادل المصالح ويحاول التفاهم مع «الآخر» دون أن يصادر على تفكيره أو دون أن يبادر بداية إلى رفضه - دع عنك مقاتلته ومحاولة تدميره.ورغم أن دعوة فوكوياما لقيت كثيرا من الانتقاد والتفنيد.. إلا أن هذه الدعوة إلى نهج الواقعية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة لقيت أيضا تشجيعا بل تفعيلا وتجسيدا ما لبثت أن أكدته وما برحت تؤكده الأحداث.
لقد أسلمت التطورات التي شهدها خريف العام الماضي إلى إزاحة رجل البنتاجون القوي رامسفيلد من منصبه وكان الرجل كما هو معروف محورا تلوذ به تجمعات المستشارين والمعاونين والخبراء والمستشارين المنتمين إلى أيديولوجية المحافظين الجدد سواء بين المسؤولين العسكريين أو راسمي السياسات
أو واضعي الاستراتيجيات في وزارة الحرب الأميركية، بعدها صدر تكليف الرئيس بوش إلى لجنة حزبية - مشتركة بين دوائر الحكم الجمهوري والمعارضة الديمقراطية لتدارس ما آلت إليه الأوضاع إزاء دور أميركا في الشرق الأوسط بالذات وأثمرت العملية -
كما هو معروف عن تقرير لجنة بيكر - هاملتون الشهير الذي صدر ولاشك ليعبر، لا عن فكر السيد هاملتون الديمقراطي المعارض، ولكن يعبر بالدرجة الأولى عن نهج الواقعية السياسية للسيد جيمس بيكر، نفس النهج البراغماتي الذي أثبت نجاحه في حرب تحرير الكويت منذ أكثر من 15 عاما من عمر الزمان المعاصر.
هذا النهج نادى بين سطور التقرير بالتعامل من خلال نظرة تحليلية واقعية مع المشهد السياسي الراهن في الشرق الأوسط بعيدا عن المسميات الأيديولوجية والشعارات الإعلامية التي تُلحق بهذه الدولة أو ذلك النظام أوصافا من قبيل «المارقة» أو «محور الشر» أو «نصير الإرهاب» وما إلى ذلك،
ثم واصل لفيف من خبراء السياسة الخارجية في أميركا دعوة واشنطن بغير مواربة إلى ما أسماه الأستاذ «ريتشارد هاس» في مقالته الشهيرة في مجلة «فورين أفيرز» بضرورة الانفتاح على، ومن ثم ضرورة التعاطي والتحاور مع العناصر والقوى الإقليمية أو المحلية في الشرق الأوسط وفي مقدمة هذه القوى كانت سوريا وإيران.
في هذا السياق بالذات تنشر نيويورك تايمز (عدد أول مارس) تحليلا سياسيا نقول فيه:
- طالما طالب منتقدو الإدارة الأميركية بأن تفعل المزيد من أجل إشراك القوى والأطراف الإقليمية في التعاطي مع مجموعة من القضايا ومنها قضية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وقضية لبنان.. وكان هذا بالذات موقف مجموعة دراسة العراق (الإشارة إلى لجنة هاملتون - بيكر) وهي اللجنة رفيعة المستوى التي حثت في العام الماضي على إجراء محادثات مباشرة وغير مشروطة تضم كلا من إيران وسوريا.
وفي كل حال.. يحسب لواشنطن- وبعد مراوغات شتى - أن أصغت مؤخرا لتوصيات لجنة بيكر ثم لصوت عقلاء السياسة الأميركية من ساسة ومفكرين ومستشارين - لم تصرف النظر عما طرحوه ولا استهانت بهذه الطروحات أو الاجتهادات الفكرية على نحو ما قد نشاهده أحيانا في بعض أقطار العالم الثالث، صحيح أن واشنطن ربما أصغت إلى هذه التوصيات والطروحات تحت وطأة التطورات الأخيرة التي استجدت سلبا سواء على ساحة العمليات بالعراق
أو بسبب زيادة تعقيدات الموقف مع إيران أو تطورات أحداث العنف الأخيرة في أفغانستان فضلا عن الموقف المعقد أصلا في ساحة فلسطين، والمهم أن ارتضيت واشنطن في نهاية المطاف أن تجلس إلى طاولة واحدة مع القوى الإقليمية التي أوصت بها مقالة ريتشارد هاس وقبلها شدد على التفاعل معها تقرير مجموعة الدراسة المعنية بالموقف في العراق.
وهكذا شهدت الأيام القليلة الماضية ابتداء من ختام فبراير الماضي الإعلان عن قبول واشنطن المشاركة في الاجتماع الإقليمي المقرر عقده في منتصف مارس الحالي.. وفيما سبق لمنطقة الشرق الأوسط أن شهدت مؤتمرات ضمت دول الجوار للعراق.. فإن التجمع المرتقب يكتسب أهميته أولا من مشاركة واشنطن وثانيا من مشاركة كل من إيران وسوريا بعيدا عن التوصيفات السابقة المتعلقة بحكاية محور الشر أو رعاية الإرهاب أو المروق السياسي.
وعندما صدر الإعلان المذكور.. سارع جوناثان بيل مندوب الإذاعة البريطانية في واشنطن إلى تأكيد أن توقيت هذا اللقاء جاء مثيرا للاستغراب نظرا للتوتر الذي يسود علاقات أميركا مع جيران العراق.في كل حال نلاحظ أن هذا الانفتاح من جانب واشنطن على حقائق الواقع الموضوعي كان بحاجة إلى نوع من الإخراج.. المسرحي كما قد نصفه..
وهكذا فبعد سيول الشعارات ورغم الاتهامات والتوصيفات والانتقادات التي وجهتها واشنطن إلى كل من دمشق وطهران.. أصبح هناك في الإدارة الأميركية من يدرك - موضوعيا كذلك - أهمية الحوار مع هذه الأطراف.. وكان المطلوب فقط هو استيفاء «الشكل» الذي يحفظ للدولة العظمى مكانتها فكان أن وضعوا مبادرة الدعوة في يد بغداد رغم أنها ما برحت مثخنة بالجراح..
وكان أن طوروا الشكل أيضا إلى حد توجيه دعوة لمشاركة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن فضلا عن مشاركة من جانب الجامعة العربية ومشاركة القاهرة والمؤتمر الإسلامي.مرة أخرى تواصل نيويورك تايمز تحليلها قائلة: رغم أن الاجتماعات المرتقبة قد لا تنطوي على مفاوضات مباشرة بين أميركا وإيران، حيث المفروض أن تركز بالذات على استقرار العراق وليس على القضايا الأخرى المتنازع عليها.. إلا أنها يمكن أن تفتح بابا أو تشق مسلكا يفضي إلى قناة دبلوماسية بين الطرفين.
ولقد نضيف في معرض التعليق على تحليل الصحيفة الأميركية الكبرى أن من التحولات السياسية الكبرى ما بدأ على هذا الشكل المتواضع وربما أقل تواضعا. فإذا كان المأمول هو فتح باب إلى قناة من التواصل أو الحوار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران..
فقد سبق أن فتحوا بابا وشقوا مسلكا بين واشنطن وبكين في عقد السبعينات الماضي.. ولم تكن البداية مؤتمرا سياسيا ولا تجمعا إقليميا، بل كانت مباراة.. مجرد مباراة في رياضة التنس مهدت الطريق أمام قيام علاقات في كل مجال بين أميركا والصين.
كاتب مصري
