ما بين الخليج المختطف كما رآه الدكتور برهان غليون من جامعة السربون بفرنسا، والأمن العربي المنعدم كما رآه الدكتور عبدالله الشياجي من جامعة الكويت، تراوحت الأفكار واختلفت رؤى أبناء الخليج ومرئيات الأشقاء العرب، والمنظرين الغربيين، هناك إشكالية كبيرة جداً عندنا في الخليج هي إشكالية الأمن وقبلاً إشكال الاختلاف حول هذا الأمن: مفهومه،
هل هو مسؤولية أهله أم مسؤولية القوى الخارجية وتحديداً الولايات المتحدة، هل هو أمن واحد أم متعدد؟هل يتفق السعوديون مع الكويتيين في نظرتهم وتقييمهم لهذا الأمن؟ وهل نظرة القطريين هي نفسها نظرتنا هنا في الإمارات، أسئلة كثيرة طرحها مؤتمر النظام الأمني في الخليج خلال الثلاثة أيام الماضية في مقر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
أما في حفل العشاء الذي أقامه المركز على شرف ضيوفه وحضره سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، فقد راوحت نقاشات الطاولات القضايا ذاتها التي تداولها المحاضرون صباحاً والمشترك الأكبر هو هاجس الأمن حيال كل ما يحيط بنا: إيران ومشروعها النووي، العراق الذاهب إلى مستقبل مجهول بحزمة من الكوارث تصيب شظايا كل الإقليم، الصراعات الجديدة التي بدأت تنغرز على سطح المنطقة بما ينذر بتحديات جديدة مضافة تشكل عبئاً آخر وأهمها الصراع المذهبي والطائفي،
وتشكل جماعات متطرفة الرؤى في تعاطيها مع صراعاتها المختلفة (الجماعات الأصولية في العراق والسعودية، حزب الله في لبنان،..) كل هذه الهموم كانت جدل الطاولات السياسي خلال حفلة المساء بما يقود إلى استنتاج أن أبناء الخليج مهمومون بما يحصل حولهم ولهم، ولديهم رؤاهم الخاصة وفهمهم الدقيق لجذور وتفريعات المسائل، وقد لا تتطابق هذه الرؤى والطروحات مع ما يراه الأخوة العرب في بعض الأقطار العربية.
التطابق غير مطلوب على أية حال بين الأطراف، لكن الاتفاق يبدو لازماً، فالخليج العربي جزء رئيسي من المنطقة العربية، لكنه للأسف لا يشكل لاعباً في تحديد مصيرها وهو ان فعل فإنما يفعل ذلك بشكل فردي تقوده السعودية حالياً وبشكل واضح يراه الأخوة المصريون أنه يأتي على حساب الدور المصري، والحقيقة أن الدور المصري قد انكمش وربما تلاشى لأسباب كثيرة بدأت بصلح مصر المنفرد مع إسرائيل
وعزلها عن مجمل الشأن العربي وعدم قدرتها على التأثير في أطراف النزاعات المختلفة التي ربما تلعب دور المنسق بينها لكنها ليست مؤثرة حتماً واستتباعاً ليست ملزمة وهذا ما أعلنه المصريون مؤخراً في عدم إلزامهم للفلسطينيين بأي موقف، غير مطلوب الإلزام ولكن المطلوب أن يعاود العرب القبض على قدرتهم على الفعل حتى وإن كان بواسطة طرف هو الأقوى كما مصر في السنوات السابقة، والسعودية اليوم.
أمن الخليج لا ينفصل إطلاقاً عن كل ما يحدث في المنطقة: لا ينفصل عن تداعيات الوضع الفلسطيني وصراعات الأطراف الفلسطينية فيما بينها، لا ينفصل عن الأزمة اللبنانية، لا ينفصل عن تداعيات وضع العراق الخطير، لا ينفصل عن الملف النووي الإيراني وإيران
كما جاء في كلمة المركز الختامية لم تقدم حتى اللحظة أية تطمينات لأهل الخليج حيال ملفها النووي المكتنف بالغموض والكثير من الثرثرة الرومانسية كما لم تقدم إثبات حسن نوايا فيما يتعلق بمشكلة الجزر الإماراتية، فأي دور تلعبه أو تريد أن تلعبه إيران حقيقة: دور مهيمن أم دور بنَّاء؟ إن أمن الخليج يعتمد كثيراً على مثل هذه الإجابات.