كثير من المعطيات والتفاعلات التي تتعلق بالبيئتين الإقليمية والدولية تعني الإسرائيليين وتسترعي انتباههم..لكن أكثر ما يشغلهم ويقض مضاجعهم ويستحوذ على الشق الأعظم من أحاديثهم الصباحية ومسامراتهم المسائية هذه الأيام، يخص قضايا الفساد المستشري في أحشائهم الداخلية، ولا يكاد يستثني جانباً من حياتهم ولا طبقة أو نخبة لديهم، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، بقرتهم المقدسة.

اتسعت خروقات الفساد بأنماطه بين الإسرائيليين، حتى ما عاد بوسع راتقيهم المداراة عليها أو معالجتها همساً وفي الخفاء على تلصص واستحياء. يطالع الإسرائيليون صحفهم ووسائل إعلامهم فيجدون الفساد عندهم كتاباً منشوراً على رأس الأخبار اليومية.

وفي تقاريرهم الدورية، يشكو الدبلوماسيون الإسرائيليون من حجم الإساءة التي أمست هذه الأخبار تلحقها بصورة دولتهم الخارجية، علاوة على التشوهات المتأصلة عنها حتى عند قطاعات رسمية وشعبية في دول صديقة، بسبب ممارساتها القمعية واحتلالها المديد للأراضي العربية والفلسطينية.

ومنهم من يتذكر كيف أشار أكثر من 60 في المئة من عامة الأوروبيين إلى إسرائيل قبل بضعة أعوام بصفتها الدولة الأخطر على السلم والأمن الدوليين، مؤكداً أن تزاحم قضايا الفساد يزيد طين هذه الصورة بحراً في القارة العجوز وغيرها. وليس بلا مغزى في هذا الإطار، التعليق الذي يمزج الطرافة بالمرارة المنسوب إلى صحافي إسرائيلي، وجاء فيه أن المسؤولين الأوروبيين والأميركيين صاروا يفتتحون لقاءاتهم مع نظرائهم الإسرائيليين بسؤالهم عن آخر أخبار الفساد عندهم!.

ومع أن أوساط البنك الدولي تبدو إسرائيلية الهوى وتحرص على إدراج إسرائيل ضمن الدول الأكثر تقدماً وأخذاً بناصية التكنولوجيا والديمقراطية معاً، إلا إنها رصدت تفاقم معدلات الفساد في هذه الدولة. ففي تقرير حديث لها أكدت هذه الأوساط أن «إسرائيل تقع ضمن أكثر الدول المتقدمة فساداً على صعيد المؤسسات الخاصة والحكومة، وأقلها اهتماما بتطبيق القانون».

وكان معهد النزاهة الدولية العامة في واشنطن قد أدرك النتيجة ذاتها في يناير الماضي حين بوأ إسرائيل المركز الثالث من حيث مستوي الفساد من بين 45 دولة أخضعها للفحص. والواقع أن هذه الشهادات الدولية تنبني على مصادر إسرائيلية باتت مضرب المثل في التعريف، ولعله التشهير والتندر،

بحجم الفساد الأخلاقي والمالي والإداري والقانوني للنخبة الحاكمة بالذات من القمة إلى القاع، من رئيس الدولة ورئيس الوزراء وأعضاء في مجلسه، إلى برلمانيين في الكنيست وبعض رجال القضاء ومديري العموم وكبار طواقم السكرتارية الملحقة بمكاتب هؤلاء جميعاً، فضلاً عن رجال مال وأعمال، هبوطاً إلى موظفين صغار.

وتلحظ الوثائق ولجان التحقيق ذات الصلة أن أصحاب هذه المقامات على اختلافهم يشتركون في نوعية الفساد: استغلال النفوذ والمواقع الحساسة وقبول الرشى وتقديمها وتخطي المعايير الأخلاقية والقانونية لصالح المحاسيب والأتباع وتكريس المناصب لتحقيق مأرب شخصية أو عائلية أو على أفضل الفروض شللية.

والحال كذلك فإن إسرائيل المنخرطة في زمرة الدول الصناعية المتقدمة؛ صاحبة أحد أشهر أودية السيليكون والهاي تيك؛ التي يزيد متوسط دخل الفرد فيها سنوياً عن 18 ألف دولار ويقال انها واحة الديمقراطية في صحراء الشرق الأوسط الديكتاتورية، إسرائيل هذه تقع في الوقت ذاته ضمن دول العالم الثالث أو الرابع من حيث معدلات الفساد، كماً ونوعاً.

غير أن الموضوعية والتشخيص المستقيم يقتضيان الاعتراف بأننا إزاء نموذج لدولة مؤسسات لا تتستر على ما يعتمل في تضاعيفها من فساد ولا تجتهد في تخبئته أو كنسه تحت السجاجيد. فقضايا الفساد تثار هناك على الهواء مباشرة وتحظى كما ألمحنا بمناقشات مستفيضة في الرحاب الرسمية والشعبية.

بمعني أن الرأي العام على دراية واسعة بهذه القضايا، كونها تعرض وتطرح عليه بشفافية وجرأة. الأمر الذي يمنحه فرصة استدراك الظاهرة وتوقيع العقوبات المادية والمعنوية بحق مرتكبيها بعد التعريض بهم على الملأ ثم عزلهم.الرأي العام في إسرائيل يتابع ما يدور حوله وبالتفصيل الممل.

وتقوم المعاهد والمراكز البحثية المتخصصة بتحسس نبضه تباعاً. تقول البيانات الطازجة بالخصوص أن 85 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أن الفساد سمة مميزة لقيادتهم، فيما يؤكد 52 في المئة أنه لا يوجد حزب واحد في دولتهم يستحق وصف زعمائه بالنزاهة.

ولا يثق زهاء85 في المئة من الجمهور الإسرائيلي في طهارة المعايير السياسية لدى كبار الساسة، ويذهب 65% منهم إلى صحة الاتهامات الموجهة لهؤلاء الساسة في قضايا الرشوة. وفي نوفمبر 2006 أعدت شركة براءة الاختراع في تل أبيب تقريراً تحدث عن إسرائيل كواحدة من أسوأ 13 دولة في حجم عمليات التزوير على مستوى العالم، مشيراً إلى أنها الأسوأ بلا منازع مقارنة بالدول الغربية المتقدمة في هذه العمليات.

بالمناسبة، يصف الإسرائيليون عهد رئيس وزرائهم ايهود أولمرت بأنه الأكثر فساداً مادياً وأخلاقياً، وهم يعتقدون بنسبة 62 في المئة أنه غير قادر على مواجهة ضغوط المنصب ولا يتسم بالنزاهة المهنية والأخلاقية. تجدر الإشارة إلى أن هذه المواصفات تنطبق أيضاً على شولا زاكين مديرة مكتب أولمرت، التي لازمته في تنقلاته الوظيفية على مدى ثلاثين عاماً!..

هذه المعلومة تؤكد ما أثبته استطلاع معهد داحف الإسرائيلي من أن «71 من الإسرائيليين يبيحون لأنفسهم التصرف على شاكلة زعمائهم السياسيين»، أي أن الناس هناك على دين ملوكهم!.رب متهكم هنا بالسؤال وماذا في ذلك كله، أوليس حال إسرائيل مع الفساد كأحوال الدول الأخرى، المتقدمة منها والمتخلفة؟!.

على هؤلاء أن يتذكروا كيف نشأت هذه الدولة على أفكار ومزاعم خلاصية تعبوية تدعى الإفلات باليهود من شرور «عوالم الأغيار» , صوناً لطهرية «شعب الله المختار»، فيما أضحت راهنا ملاذا للمافيويين من كل الأنماط.. وكيف أن تفشي الفساد في هذه الدولة فيما هي مشدودة على مدار الساعة إلى صراع يتعلق بوجودها، لا يبشر بخير لمصيرها ومستقبلها،ويحولها من نقطة جذب مشرقة إلى مركز طرد لا يصلح مستقرا لحياة وادعة.

هذا ما ينذر به بعض حكماء هذه الدولة. ثم أن قيادة هذا شأنها مع الفساد وهذا خطها من التأييد الشعبي، ترى هل يمكن التعويل على شراكتها في عملية تسوية مع الجانب الفلسطيني وهي التي توشك على الخروج من مجال السياسة والحكم مذمومة مدحورة؟ .

كاتب وأكاديمي فلسطيني