الثامن من مارس يوم المرأة العالمي، البعض يسميه عيد المرأة ولكن ذكرى هذا اليوم ليست عيدا بل ذكرى مأساة إنسانية تحولت فيما بعد إلى رمز من رموز النضال البشري حملت لواءه المرأة الأميركية في عام 1857 عندما خرجت آلاف النساء العاملات في مصانع النسيج في نيويورك يطالبن برفع أجورهن وتحسين أحوال معيشتهن وظروف عملهن، ويطالبن أيضا بحقوق سياسية مثل حق الاقتراع ،

وتصدى الأمن الأميركي للمظاهرات بقوة وشراسة ومات من النساء مائة وإحدى عشرة وجرح آلاف، ومرت الحادثة التي تركت أثرا بالغا في نفوس العمال بشكل عام والعاملات بشكل خاص، وفي مطلع القرن العشرين نشطت الحركات النسائية في أوساط العمال في أوروبا الغربية، وخاصة في ألمانيا التي كانت تشهد نهضة صناعية كبيرة، وفي عام 1910 نادت إحدى قيادات الحركة النسائية العمالية في ألمانيا واسمها «كلارا زيتكين» بأن يكون الثامن من مارس يوما عالميا لنضال المرأة في ذكرى عاملات مصانع النسيج في نيويورك،

وكانت الرأسمالية العالمية في عنفوانها وجبروتها في قهر العمال رجالا ونساء، وكانت حكومات الغرب وأميركا خاضعة لأرباب الأعمال وطغاة الرأسمالية الفجة، ولهذا لم تعير هذه الحكومات اهتماما لنداء كلارا زيتكين، وتطورت الأحوال بمرور السنين وانهارت كبرى الإمبراطوريات الاستعمارية في الغرب، وبدأ التجاوب التدريجي مع مطالب العمال لمنحهم حقوقهم ولتحسين مستوى معيشتهم، وهي المطالب الذي كان لنضال المرأة وتضحياتها فيها دور كبير وأساسي.

في عام 1975 أعلنت الأمم المتحدة يوم الثامن من مارس يوما عالميا للمرأة، وأصبح عيدا عالميا للمرأة تحتفل به معظم دول العالم ماعدا الولايات المتحدة الأميركية التي شهدت مظاهرات العاملات التي أوجدت هذا اليوم وجعلته يوما عالميا للمرأة. ما يهمنا نحن العرب في هذا اليوم

هو أن تستوعب المرأة العربية الدرس التاريخي لتعلم أن نيل المطالب ليس بالتمني ولا بالتوسل على أعتاب الأنظمة ، ولا بنداءات الناشطات في حقوق الإنسان اللاتي لا يمثلن في الغالب المرأة بقدر ما يمثلن أنفسهن أو يمثلن جهات سياسية حزبية أو غيرها التي لا تهمها قضايا المرأة بقدر ما تهمها الصراعات السياسية والحزبية والمزايدات الفارغة.

على المرأة العربية أن تعي جيدا أنه لكي يكون لها كل الحقوق التي تريدها عليها أن تشارك في البناء والتنمية في المجتمع في كافة المجالات، وأن تثبت وجودها وفاعليتها لا أن يصبح وجودها مجرد شكل تجميلي، وعليها أيضا أن تنمي نفسها علميا وعمليا وتتفوق ليس على الرجل بل على واقعها الاجتماعي والتاريخي الذي جعل منها مخلوقا ضعيفا بجانب الرجل،

في حين أنها في المجتمعات الأخرى تعمل مثل الرجل وربما أكثر منه وفي نفس المجالات، فهناك النساء تعمل في المصانع وحتى في المناجم، ويعملن في البناء وفي تنظيف الشوارع، ويعملن في الجيش والشرطة مثلهن مثل الرجل وليس مجرد أعمال إدارية.

على المرأة العربية أن تعي جيدا أن الحقوق السياسية وحقوق الانتخاب والترشيح وشغل المناصب العليا في الدولة ليست هي المعيار الحقيقي على فاعلية دور المرأة في المجتمع، كما أنها ليست الهدف النهائي الذي من أجله يجب أن تكافح المرأة، ولا يمكن للمرأة أن تنال الحقوق السياسية والمناصب العليا حقا وفعلا إلا إذا أثبتت وجودها في ساحات العمل والعلم والبحث العلمي وغيرها،

وإذا جاءت هذه الحقوق بمنحة ، فعلى المرأة أن تعتبر هذا عاملا تشجيعيا وليس نهاية الطريق، لن يعترف المجتمع بدور المرأة ووجودها إن لم يشهد أثار وانعكاسات هذا الدور في واقع الحياة وفي مسيرة التطور والتنمية. المرأة الأوروبية وغيرها ممن نلن كافة الحقوق ووصلن لأعلى المناصب لم ينلن هذا إلا بنضالهن وكفاحهن ومشاركتهن الفعلية في بناء المجتمع،

وعلى المرأة العربية أن تناضل وتكافح في كل موقع عمل توجد فيه وتثبت وجودها وتفوقها، وعليها أيضا أن تكف عن المطالبة بالحقوق الخاصة والمتميزة لمجرد أنها امرأة، فليست المرأة العربية هي الوحيدة التي تحمل وتلد وترضع وتربي الأطفال وتعمل في المنزل، كل نساء العالم يفعلن ذلك وربما أفضل بكثير من المرأة العربية،

ولا يستطيع أحد أن يزعم أن الطفل العربي هو الطفل المثالي في العالم في التربية ولا أن الأسرة العربية هي الأفضل في العالم. على المرأة العربية أن تستوعب جيدا درس يوم المرأة العالمي الثامن من مارس لتعلم أن نيل الحقوق والمناصب العليا ليس بالتمني والتوسل والكلام وانتظار المنح وإنما بالنضال والعمل الجاد والفاعلية والمشاركة في بناء وتنمية وتطور المجتمع.

elmoghazy@hotmail.com