تلوح حاليا في الأفق بوادر مشجعة لحل المسألة الصحراوية بدأت مع إعلان المغرب عن خطة حكم ذاتي واسع للسكان الصحراويين، وبدأ المغرب بحركات دبلوماسية مكثفة من اجل تسويق هذه الخطة التي تقوم على المزج بين خطة الأمم المتحدة التي تقر بحق تقرير المصير للسكان الصحراويين والحفاظ على السيادة المغربية على كامل التراب المغربي ومن بينها المنطقة الصحراوية.

وحسبما كشفت المباحثات التي أجراها مسئولون مغاربة في العواصم المعنية التي زاروها ومنها مدريد وباريس ولندن وغيرها، فان هذه الخطة الجديدة تقوم على تشكيل حكومة وبرلمان محليين في المنطقة الصحراوية إضافة إلى مؤسسات اقتصادية واجتماعية، وان يعين العاهل المغربي رئيساً لحكومة الإقليم، استنادا إلى نتائج انتخابات محلية تجرى فيه.

وهذا الخيار يعتبره المراقبون بمثابة حل وسط بين التصور الصحراوي الذي تتبناه جبهة بوليساريو والقائم على الاستقلال عن المغرب، وبين التصور المغربي التقليدي القائم على وحدة التراب المغربي وان تعامل المنطقة الصحراوية مثلها مثل أية منطقة أخرى بالمغرب.

ويبدو من سياق الأحداث التي شهدتها المسألة الصحراوية خلال الفترة الماضية أن الحكومة المغربية قررت إن تحدث اختراقا ما على هذا الصعيد بما يخرجها من حالة الجمود التي تواجهها منذ إن وضح تعثر تطبيق خطة الأمم المتحدة الخاصة بإجراء الاستفتاء في المنطقة. والملاحظ أن تحركات الدبلوماسية المغربية توجهت إلى القوى الدولية المعنية بهذه المسألة مثل أسبانيا أو تلك التي تؤثر على مصالحها في منطقة المغرب العربي مثل فرنسا والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن مثل بريطانيا، وذلك لكي تضمن نجاح هذه الخطة من خلال حصولها على دعم هذه القوى جميعا.

وكانت المسالة الصحراوية قد شهدت منذ أسابيع تطورات أكدت حالة الانسداد التي تعيشها منذ ما يقرب من العامين، وبما عنى إن جهود الحل المطروحة لن تكون لها أية فرص للنجاح، في ظل تمسك الأطراف بمواقفها المتشددة التي أدت إلى الانسداد نفسه،وهو ما يعني أن الأزمة تراوح مكانها بين الإنتاج وإعادة الإنتاج بما يتطلب،ان يطرأ جديد يحدث اختراقا إذا ما أرادت الأطراف نفسها أو الوسطاء أو الأمم المتحدة إحداث تحريك ما في المسألة الصحراوية.

ويبدو انه إزاء هذه الحالة طرح المغرب خطته التي كان لها مقدمات منذ عدة أعوام تتمثل في نظام اللامركزية التي طبقتها في الأقاليم والتي قيل آنذاك أنها تمهد الطريق أمام خطة للحكم الذاتي الواسع الذي يبدو إن مقدماته تلوح في الأفق الآن.

فهل نستطيع الآن إن نقول إن هناك تربة مهيأة لإيجاد حل سلمي للمسألة الصحراوية ؟ هذا السؤال طرح أيضا بعد زيارة العاهل المغربي محمد السادس لمدينة العيون عاصمة الصحراء منذ شهور قليلة، وإعلانه من هناك عن مبادرة جديدة لحل النزاع تقوم على الحكم الذاتي لسكان المنطقة .

وهي الخطة التي تسعى بلاده إلى تسويقها دوليا في الوقت الراهن. وهذا الأمر لم يأت مصادفة وإنما هو نتاج لعملية طويلة بدأت منذ فترة تمثلت في عدة تطورات ايجابية شكلت أرضية تمهد لإيجاد حل لهذه المسألة، وذلك لأن هناك إرادات متعددة إقليمية ومحلية ودولية تجعل من هذا الحل مصلحة للعديد من الأطراف ذات الصلة بهذه المسألة.

وهناك نقاط عديدة جديرة بالإشارة، لأنها تجيب عن السؤال المطروح حاليا حول إمكانية نجاح المغرب في تسويق الخطة الجديدة. وأولى هذه النقاط تتعلق بالضغوط الإقليمية التي تمارس على الأطراف ذات الصلة بالمسألة الصحراوية من أجل إبداء المرونة اللازمة لحل هذه المسألة.

والضغوط الإقليمية تتمثل في قيام دول أعضاء في الاتحاد المغاربي وعلى الأخص كل من تونس وليبيا بالضغط على كل من المغرب والجزائر لإنهاء المسألة الصحراوية. ولهاتين الدولتين مصالح واضحة وقوية في هذه الضغوط وذلك لأن الاتحاد المغاربي المفروض له أن يكون تكتلا اقتصاديا يجمع بين دول المغرب العربي، يعاني من الجمود والتجميد، وكل ذلك بسبب تداعيات المسألة الصحراوية.

والدولتان تريدان إعادة إحياء الاتحاد المغاربي وهما من هنا يضغطان على كلا الطرفين المتنازعين في الصحراء المغربية من أجل إيجاد حل يؤدي في النهاية إلى عملية إعادة إحياء الاتحاد المغاربي، وتعتقد الدولتان أن إحياء الاتحاد المغاربي سوف يساعد في أمرين:

الأول هو أنها سوف تؤدي إلى المضي قدما في مفاوضات 5 + 5 بين دول جنوب أوروبا وشمال أفريقيا والتي تهدف إلى أن تساعد الأولى الثانية اقتصاديا بما يؤدي إلى تخفيض معدلات الهجرة غير الشرعية منها إلى أوروبا. أما الأمر الثاني فهو أن هاتين الدولتين ومن خلال عضويتهما في الاتحاد المغاربي الذي سيصبح كتلة اقتصادية واحدة سوف تستفيدان من اتفاقية الشراكة التي وقعها المغرب مع الاتحاد الأوروبي وهو الأمر الذي يحقق لهما مكاسب اقتصادية ملحوظة.

ومما لاشك فيه إن إعلان تنظيم القاعدة عن تواجده في بلاد المغرب العربي وتنفيذه لعمليات في تونس ثم في الجزائر وتهديده بعمليات أخرى في المغرب يشكل نوعا جديدا من الضغوط على الدول الأعضاء في الاتحاد المغاربي تدفعها إلى الإسراع في إحياء الاتحاد من اجل تنفيذ الاتفاقيات الأمنية الخاصة به.

وفيما يتعلق بالضغوط الداخلية، فيجب الإشارة إلى أن كلاً من الأطراف الرئيسية الثلاثة ذات الصلة بالمسألة الصحراوية، تعاني من مشكلات داخلية تفرض عليها إما التعاون مع الأطراف الأخرى من أجل تجنب مخاطرها، أو الانتهاء تماما من المسألة الصحراوية للتفرغ لهذه المشكلات بصورة أساسية.

فالجزائر والمغرب تعانيان معا من خطر الإسلام الأصولي وجماعات العنف المتسترة بالدين، والتسلل الذي يتم عبر الحدود بين الدولتين للقيام بعمليات أو التخفي عن عناصر الأمن. إضافة لذلك هناك عمليات التهريب المنظم التي تتم عبر الحدود، والتي تحدث خسائر اقتصادية لكلتا الدولتين.

وهاتان المشكلتان: الأصولية والتهريب، تتطلبان صورة ما من صور التنسيق الأمني بهدف التصدي لهما.. وهذا التنسيق يتطلب أولا حل المسألة الصحراوية لأن المغرب يضع هذا الأمر كشرط أساسي لتطبيع علاقاته مع الجزائر، وهذه هي الصخرة التي تحطمت عندها كافة محاولات تطبيع العلاقات بين الجانبين، وكافة جولات المفاوضات التي هدفت إلى تحقيق المصالحة بين الجانبين.

أما الطرف الثالث وهو جبهة بوليساريو فيعاني هو الآخر من مشكلات داخلية تتمثل في انشقاق قيادات عديدة وعودتها إلى المغرب، واستمرار هذا الأمر سيعني أن الجبهة نفسها سوف تعانى من الانهيار، وبالتالي فإن إيجاد حل للمسألة الصحراوية يمكن أن يكون وسيلة مناسبة تحفظ به الجبهة ماء وجهها، ولكن بالطبع لابد من توافر عناصر محددة في هذه المصالحة على النحو الذي يؤدي بالفعل إلى حفظ ماء الوجه. ويمكن القول إن الخطة المغربية الجديدة يمكن ان تكون الأرضية المناسبة لهذا الحل الذي يحفظ ماء وجه اغلب الأطراف ذات الصلة بالمسألة الصحراوية.

كاتب مصري