هناك أزمات متعددة في العالم العربي.. حريات شخصية منتقصة.. وحقوق إنسان مهدرة.. وتداول للسلطة غائب إلا فيما ندر.. هناك أيضاً تحديات التنمية الغائبة، والفشل في بناء منظومات تعليمية واجتماعية تتعامل مع المستقبل، والفساد الذي يضرب بجذوره في أطناب البلدان، والأهم غياب عقد اجتماعي واضح ينظم العلاقات بين الحكام والمحكومين..

القضايا السابقة تمثل صلب مشكلات العالم العربي، ولكن هناك أدعياء أهملوا كل ذلك وتعاملوا مع حواشٍ لا تقدم ولا تؤخر رغبة في الظهور واتباعاً لقاعدة خالف تعرف، ومع ذلك يتعامل معهم الغرب باعتبارهم أبطالاً ودعاة حرية ومضطهدي رأي .

وفي الأسابيع الأخيرة لم يعد هناك شاغل للإعلام الغربي إلا قصص هؤلاء الأدعياء باعتبارها دليلاً على أن كل ماهو سائد في العالم العربي والإسلامي ينبغي أن يتغير، وأن ثقافته وحضارته لم يعد لهما مكان إلا في سلال المهملات .

وأمامي نماذج ثلاثة كل منها يدل على أن الغرب قد فقد عقله حينما يحاكم الواقع الذي نعيشه عبر الركون إلى شهادات مأفونين، صاحبة أول هذه النماذج هي نوال السعداوي.. وقد عرفها العالم العربي والغربي كاتبة مثيرة للجدل، تحاول بناء مجدها على شطط عقلي وفكري يغازل المخيال الغربي أكثر مما يداعب العقل العربي الذي يغط في نوم عميق، فتارة تعتبر الطواف حول الكعبة نوعاً من عبادة الأوثان وثانية تطالب بنسبة المواليد إلى أمهاتهم وليس إلى آبائهم، وتارة ثالثة تطالب بالتحرر الجنسي وحق المرأة في تعدد الأزواج مساواة بالرجل، أما آخر ما تفتق عنه ذهنها فهو مسرحية مبنية أحداثها وشخوصها على فكرة مفادها أن الله قد قدم استقالته في أحد اجتماعات القمة.

والسيدة نوال لاتكتب ثم تنتظر النتائج بل تثير الغبار دوما حول شخصها فتدعي أن كتبها تصادر قبل أن ترى النور وحين تسافر تسرب أخباراً لوسائل الإعلام مفادها أنها هاربة من مصر ثم تعود وتنفي ما قالت وهكذا دواليك حتى ينشغل الرأي العام بقضيتها، وأظن أن السلطات المصرية تفهم أنها طالبة شهرة، فتحاول احباط كل مخططاتها لادعاء البطولة وتترك القضاء وحده هو الذي يحدد ماذا يمكن أن يصلح للمجتمع دون تدخل من السلطات التنفيذية.

النموذج الثاني مصري أيضاً، وهو شاب يدعى كريم عامر أنشأ مدونة على الانترنت ليكون واحداً من البلوغرز الذين أقلقوا راحة السلطات المصرية خلال الأشهر الماضية.

كثير من المدونين تعاملوا مع القضايا الحقيقية التي تشغل المجتمع مثل الحق في التظاهر والإضراب والحق في معاملة كريمة داخل أقسام الشرطة، وأقاموا ما يمكن وصفه بصحافة موازية لا تقل تأثيراً عن الصحف المطبوعة، وبعضهم دفع الثمن من حريته، فتمت ملاحقته أمنياً أو احتجز لبعض الوقت.

غير أن كريم عامر شذ عن هذه الظاهرة الايجابية، واختار طريقاً آخر أراد به تقليد طه حسين في الهجوم على الأزهر بعد أن كان واحداً من طلابه، إلى هنا تبدو المسألة منطقية ولا غضاضة فيها.. لكن يبدو أن الهجوم على الأزهر لم يسعفه فطور أفكاره وانتقل للهجوم على الدين نفسه، فشبه النبي الكريم (محمد صلى الله عليه وسلم) باريئيل شارون الملطخة يده بدماء الأبرياء، وأخذ يروج خطابا يقوم على أن الدين عقبة في طريق التحرر الفكري ينبغي تكسيره حتى تستطيع المجتمعات أن تفكر بحرية، وفي الهواء الطلق.. وحين حكمته محكمة مصرية بالسجن شهوراً لتطاوله على الإسلام قامت الدنيا ولم تقعد.

النموذج الثالث لسيدة صومالية فشلت في حياتها الاجتماعية وهربت من المجاعات والحروب في بلادها، فذهبت إلى الدانمارك، وهناك استغلها البعض في كتابة عمل فني أخرجه فان جوخ الذي قتل على يد شاب مغربي لأنه ضمن فيلمه فتاة عارية كتب على جسدها آيات قرآنية، وبعد مقتل فان جوخ فرضت عليها حراسة أمنية ووجدت عروضا سخية لاحتضانها اختارت منها عرضا أميركيا يقضي بتوظيفها في مركز دراسات يتبع اليمين المحافظ في الولايات المتحدة براتب خيالي، كما أصدرت كتابا عنوانه كافرة وزع حتى اليوم ستة ملايين نسخة، وأصبحت لاتسير إلا بصحبة خمسة حراس من المباحث الفيدرالية مخولون بإطلاق النار على كل من يقترب منها.

هذه هي النماذج التي يرعاها الغرب، أما المناضلون الحقيقيون من أجل نهضة مجتمعاتنا وتحررها من براثن التخلف، فيقبعون في أقبية السجون دون أن يهتم بأمرهم أحد. هل هناك حاجة لإيراد مئات النماذج الذين يعتبرهم الغرب معادين له لأنهم لم يهاجموا الدين ولم يصبوا جهدهم في محاولة هدم القيم الايجابية بل حاربوا السلبيات وحدها .

العالم في حاجة إلى أب يقوم تصرفاته بدلاً من أولئك السفهاء الذين نصبوا أنفسهم حكماء دونما حكمة.

magdishendi@hotmail.com