هل ستتلقى إيران ضربة في غضون الأيام القليلة المقبلة؟

هل لن تتلقى إيران ضربة خلال الأيام المقبلة؟

هذان هما السؤالان الأكثر تداولا بين الناس هذه الأيام. وحيث إن التساؤل هو بين هل وهل لن.. فالإجابة منطقيا ستكون بين: قد وقد لا وفي حقيقة الأمر فإن الأمرين جائزان. وربما كليهما.

فمن الملاحظ أن المنطقة تحولت تدريجيا إلى حالة الركود والاستسلام بعد حرب الأيام الستة في أكتوبر 1973، وكان الكل يعتقد بإمكانية التوصل إلى حل للقضية التي شغلت العالم على مدى عقود: قضية النزاع على الأرض التي انتزعت من العرب بالقوة وبدعم من الدول التي استعمرت المنطقة حتى وقت قصير.

وبالتالي التوصل إلى «سلام دائم» في المنطقة وبالتحديد بين مصر وإسرائيل وسوريا. فلم يضع العرب وعلى رأسهم مصر أي مناسبة ليعبروا عن مدى رغبتهم الملحة في «السلام والاستقرار» وللمضي في هذا الاتجاه خاصة بعد أن اكتشفوا عدم إمكانية استرجاع فلسطين بالقوة، بل إمكانية ابتلاع مساحات أخرى من خارطتهم مستقبلا، كما حدث في سيناء والجولان وجنوب لبنان.

وبعد اتفاقية كامب ديفيد كسبت إسرائيل وعلى المدى الطويل كل شيء وخسر العرب كل شيء. فعودة سيناء ليس كسبا ولا انتصارا كما قد نتوهم. فهي إعادة أملاك تم الاستيلاء عليها بالقوة. وهكذا انشغل العرب بفكرة السلام على مدى عقود من الزمن، ولم يتصورا لحظة واحدة بأن (السلام) في المنطقة لا يتعدى حدود الوهم..

وأن إسرائيل رغم نفوذها المتعاظم في أوروبا وبالخصوص الولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع أن تساهم في استقرار المنطقة. وأنه محكوم عليها أن تصبح أداة لتنفيذ مخططات أكبر بكثير من مجرد تأسيس كيان يسكنه المشردون من يهود العالم (أو كما يطلق عليهم دياسبورا).

وربما اكتشف الشعب اليهودي تلك الحقيقة مباشرة بعد حرب العراق التي ساهم اللوبي الصهيوني نفسه في إثارتها بهدف القضاء على القوى المحيطة بها في المنطقة. غير أن الولايات المتحدة كانت مهتمة بمصالحها الاقتصادية وبتأمين ضخ النفط إلى آلتها الصناعية هناك أكثر من شيء آخر، وأن وجود إسرائيل مهم طالما يشكل مبررا للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، وطالما أن قوة إسرائيل العسكرية تحمي تلك المصالح.

وبالطبع لم ولا ولن تشكل إسرائيل خطرا على المصالح الأميركية في المنطقة طالما تمسك رؤساء هذه الأخيرة الواحد تلو الآخر بسياسة حماية أمن إسرائيل ووجودها. وظل التخوف واردا في حسابات المصالح الخارجية الغربية، حتى بعد تحييد الدور المصري وبعد القضاء شبه التام على نفوذها الذي كانت تتمتع به في زمن عبد الناصر الذي كان يدعم مجاهرة الحركات التحررية التي تحارب التواجد الاستعماري الأجنبي في المنطقة.

إلا أنه بعد تحجيم مصر، مازالت هناك دول مثل سوريا والعراق ومن ثم إيران التي دخلت على الخط مباشرة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. وكانت الدول العظمى تنظر إلى هذا الثلاثي على أنها جبهة لم تتوحد بعد ولكنها تريد انتهاز فرصة وجود فراغ القائد الأعلى وتخطط لتسلم زمام الأمور تحت حجة الدفاع عن الأقصى وقضية الشعب الفلسطيني.

غير أن ذلك يعني شيئا آخر للشعوب الأوروبية: إفشال سياساتها وتهديد مصالحها في الشرق الأوسط خاصة مع وجود قوة الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت وقبل سقوطه. وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي في أواسط الثمانينات كان مخططا له، وكانت أحد أهداف إسقاطه إخراجه من منطقة النفط والسوق الاستهلاكية.

فتم تفكيكه وإخراجه من أفغانستان (بالطريقة التي رأيناها)، ومن الاتجاه نحو تدمير كامل القوة العسكرية العراقية على مراحل متتابعة بدفعه أولا إلى شن حرب ضد إيران ومن ثم تدمير مفاعله النووي وبعد ذلك بإغرائه بغزو الكويت وفي نهاية الأمر تدميره تدميرا كليا وتقسيمه بحيث لا تقوم له قائمة بعد اليوم أيا كان النظام الحاكم.

وكان درس العراق كافيا لسوريا التي ظلت تنتظر دورها على صفيح ساخن فشلت حركتها وتقوقعت على نفسها قدر الإمكان وبالخصوص بعد مخطط اغتيال الرئيس الحريري وما تبعه من خروجها من لبنان. أما إيران فإنها بدأت بحمية الشباب تتحدى تلك القوى الكبرى، معتمدة على الحماس الشعبي الديني والنمو الصناعي الداخلي رغم الحظر الدولي وبتطبيق الديمقراطية في أنظمتها الداخلية.

وتنامي الحركات الإسلامية في كل مكان من العالم العربي والإسلامي، إلى أن استطاعت ولو في حدود بسيطة دخول دائرة الدول التي تملك فعليا أو ستملك القوة النووية والتأثير في أحداث المنطقة كما هو في العراق وجنوب لبنان. وهنا أصبح الأمر لا يطاق بالنسبة لتلك الدول الكبرى.

فإيران ليس فقط كابرت في يوم من الأيام زمن مصدق في بداية خمسينات القرن الماضي أثناء حكم الشاه وتحدت بريطانيا العظمى وقتها وقامت بتأميم النفط وسحب البساط من تحت قدميها، إلا أنها أيضا أظهرت نفس التحدي مع أول يوم لانتصار ثورة الخميني بطرد السفير الإسرائيلي ورفع علم السفارة الفلسطينية على نفس مقر السفارة الإسرائيلية! ومنذ ذلك التاريخ وإيران الإسلامية في حرب باردة وساخنة مع ما تطلق عليهم القوى الاستعمارية الكبرى.

وهذه القوى ترى في إيران تسلطا وعجرفة ومخططا لاحتواء المنطقة لفرض هيمنتها عليها، في غياب دور دول كمصر وسوريا والعراق. وقد برز دور إيران بشكل لا مجال فيه للشك أثناء حرب لبنان الأخيرة. وقيل فيما قيل عن هذه الحرب (وهي آخر حرب نشبت حتى هذه اللحظة في المنطقة) بأن لبنان هزمت إسرائيل بسلاح إيراني! وهزيمة إسرائيل في لبنان لم تكن دعاية إعلامية عربية كما حدث في حرب 67.

وإنما اعتراف من قبل ساسة ورجال حرب إسرائيل أنفسهم. وهذا ما لم تتقبله الدول الكبرى التي تحمي مصالحها في منطقة الشرق الأوسط. فإيران إذن أصبحت تلعب دورا خطيرا جدا يذكرها بأيام حكومة مصدق، وثورة عبد الناصر وبثورة الخميني وبضربات القاعدة.. فبدأ الإعلام العالمي وأحيانا العربي يتحدث عن تمدد الهيمنة (الفارسية) في المنطقة.

وشعوب المنطقة منقسمة على نفسها في موقفها من هذا التمدد بين تصديقه أو تكذيبه أو تفضيله على غيره باعتبار أنه يفشل خطة الشرق الأوسط الكبير. غير أن ما تفكر فيه شعوب المنطقة حيال سياسة إيران ليس له أدنى أهمية في بال الدول العظمى التي تخشى أولا على مصالحها هي.

وأصبح القرار جاهزا لوضع حد لتلك الأفكار النجادية الجهنمية التي أطلق لها العنان. وكما هو معروف عن سياسة الولايات المتحدة قبل اتخاذها أي قرار باستخدام القوة العسكرية لجوئها إلى تهيئة الأجواء بحيث يصبح أمرا مفروغا منه، واعتماد الترهيب المسبق من خلال وسائل الإعلام وخاصة سياسة زرع الفوضى في التصريحات المتناقضة تماما بين نعم ولا.. بين سيحدث ولن يحدث.. وهكذا.

وكلنا أكدنا قبل الحرب التي شنت على العراق بأن العراق ليس بأفغانستان وأن الولايات المتحدة لن تدخل الحرب ضد العراق لاختلاف البيئة وصعوبة المهمة. وقد خابت آمالنا ووقعت الحرب وحدث ما حدث. والآن يصرح البعض بأن إيران ليست العراق. وقد يكون ذلك أيضا صحيحا من حيث إن نسبة من سيقف مع الهجوم على إيران لا تتعدى 1% فقط من الشعب الإيراني بل ومن أهالي المنطقة. بينما كانت نسبة كبيرة من الشعب العراقي وقتها كانت تأمل بتحريرها من نظام صدام.

وليس الحال كذلك في إيران حتى من قبل من هم ضد سياسة نجاد. ويفترض أن الولايات المتحدة قد استوعبت أولا الدرس جيدا في العراق وأنها ثانيا على علم بردة فعل الشعب الإيراني في حالة حدوث أي هجوم يشن عليه حتى ولو كان محصورا على بعض المفاعلات النووية الهامة. غير أن تلك القوى العظمى لا ترى بديلا لحماية مصالحها عن إطاحة النظام الحالي على غرار ما حصل زمن مصدق. وما يؤكد عودة التاريخ اجتماع ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا إضافة إلى الصين وروسيا في لندن الأسبوع الماضي لدراسة الأمر المحتمل بشأن إيران.

هجوم أم لا هجوم على إيران، أيا كان الأمر، إلا أن إحداث ثورة جديدة في إيران سيبقى ومنذ زمن طويل المطلب الرئيسي للدول المجتمعة في لندن هذه الأيام. وأن عذر إيقاف تخصيب اليورانيوم وقدرة إيران على امتلاك السلاح النووي ما هو إلا تكرار لنفس صيغة عذر البحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق قبل ثلاث سنوات.

والدول المطلة على حوض الخليج العربي بما فيها إيران والعراق ومجلس التعاون في حاجة ماسة في هذه الأيام الحرجة إلى دراسة الأمر بشكل جدي وسريع... والبحث عن كيفية الدفاع عن أمنها... وكما حذر وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني بأن «المنطقة لا تتحمل أي نزاع آخر» وأن «أي تصادم عسكري بين الولايات المتحدة وإيران سيؤثر على العالم بأسره»®®®®. والفوضى العراقية حينئذ ستضرب المنطقة برمتها.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com