فيما يواصل رئيس الحكومة المكلف إسماعيل هنية مشاوراته مع الفصائل والشخصيات لضمان تشكيل حكومته ضمن المهلة الدستورية الأولى وهي ثلاثة أسابيع ابتداءً من الخامس عشر من فبراير يوم تسلمه وقبوله خطاب التكليف، وبأمل إنجاز حكومة وحدة وطنية وليس حكومة فتح وحماس، تنهض أمام الحكومة والقيادات السياسية مهمات صعبة، بعضها يحتمل التأجيل وبعضها الآخر يحتاج إلى معالجات سريعة وحاسمة.
وبما أن اتفاق مكة يشكل تحولاً مهماً في الحياة السياسية، لكونه في الجوهر يشكل الإطار العام والبداية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بمختلف مفاصله ومرجعياته وآليات عمله وأدوار ومواقع القوى المنخرطة فيه، فإن مثل هذه العملية تستدعي استمرار وتوسيع الحوار والمشاركة من أجل تفكيك الألغام التي تهدد الاتفاق، قبل الذهاب لمعالجة قائمة طويلة من الملفات والقضايا المعقدة والصعبة.
علينا أن نتخيل حجم القضايا والتحديات المطروحة أمام اتفاق مكة، والقوى التي أنجزته أو ساهمت في إنجازه، أو رحبت به، إذا اعتبرنا أن قيمته تتجاوز وقف الاقتتال والصراع الداخلي، بالرغم من أهمية وأولوية ذلك. ينطوي الأمر على مجابهة التحديات التالية: التحدي الأول الذي تمثله إسرائيل الرافضة والمناهضة لاتفاق مكة. وهي لا تكتفي لمواصلة التحريض بعدم رفع الحصار، وإنما تواصل حصارها على المناطق الفلسطينية وعلى الحكومة وتواصل تصعيدها العدواني الخطير في القدس عبر ما تقوم به من تهويد وتهديد للأماكن المقدسة والمعالم الأثرية، وعبر مواصلة بناء الجدار والاستيطان، حيث أشارت مصادر حركة السلام الآن الإسرائيلية، أن ثمة مخططاً لدى الحكومة لبناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية جديدة في الأراضي المحتلة.
وفوق هذا تواصل قوات الاحتلال اجتياح المدن والقرى الفلسطينية. وآخر حلقاتها الاجتياح الشامل الذي تعرضت له مدينة نابلس ابتداءً من يوم الأحد الخامس والعشرين من فبراير الماضي واستمر بضعة أيام، فضلاً عن تصاعد الحديث عن احتمالات قيام قوات الاحتلال بعملية واسعة جداً ضد قطاع غزة، ومحاولات إسرائيل المتكررة لإعادة تصدير الأزمة والفتنة للداخل الفلسطيني.
التحدي الثاني يتصل بممكنات رفع الحصار المالي والاقتصادي والسياسي الذي تفرضه الرباعية الدولية على الفلسطينيين، وحيث أن ما رافق حوار واتفاق مكة، وما تلاه من اتصالات نشطة قامت بها السعودية وبعض الدول العربية، بالإضافة إلى الفلسطينيين، هذه الحركة تبشر بتخفيف الحصار ولكنها لا تبشر بقرب رفعه نهائياً، ذلك أن حصيلة الموقف الجماعي للرباعية الدولية جاء ليقيم اتفاق مكة على أنه جيد ولكن، اللاكن التي تتصل بضرورة أن تستجيب الحكومة الفلسطينية لشروط الرباعية الدولية، قبل أن تقرر هذه رفع الحصار تماماً عن التعامل مع الحكومة الفلسطينية، وتفتح صنبور المال.
ليس هذا فقط بل أن موقف الرباعية الدولية من رفع الحصار باتجاه تخفيفه يتصل أيضاً بالجهود السياسية المبذولة من أجل دفع عملية السلام، وبدور الفلسطينيين فيها، وهو أمر تتذرع به إسرائيل لتعطيل هذه العملية، وتبدي الإدارة الأميركية تردداً إزاءه طالما لم تتحقق شروط الرباعية الدولية.
ومن الواضح أن الرباعية الدولية تنوي التقدم نحو حكومة اتفاق مكة بقدر تقدمها من الرباعية وشروطها. غير أن الحركة السياسية التي قام بها كل من الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل بصورة متزامنة لبعض العواصم العربية والدولية، قد أظهرت تفاوتاً في مواقف هذه الدول وبعضها يتصف بالإيجابية، كما هو الحال بالنسبة لموقفي روسيا وفرنسا، مما يشجع على مواصلة التحرك خصوصاً في إطار التعاون مع السعودية وبعض الدول العربية.
التحدي الثالث هو عبارة عن جملة من التحديات والملفات التي تتصل بتغيير النظام الأساسي، (الدستور الفلسطيني المؤقت)، والنظام الانتخابي، وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير ومؤسساتها وإعادة بناء المؤسسة الأمنية والشرطية على أسس مختلفة، ومعالجة ملف فوضى السلاح، والفلتان الأمني، وكذلك الوزارات التابعة للسلطة، وتوزيع الصلاحيات والوظائف، وتنشيط المجلس التشريعي بما يمكنه من إصدار التشريعات اللازمة لمرافقة هذه العملية الطويلة.
في هذا الإطار، يتقدم ملفات الوضع الداخلي الفلسطيني، ملف المصالحة الوطنية وهو ملف جرت مناقشته في مكة، وتم الاتفاق على أن تتولاه مؤسسة الرئاسة بالتعاون مع الحكومة الجديدة. وإذا كان الرئيس محمود عباس قد أصدر قراراً بعد عودته من مكة، وفي اليوم التالي لقبوله استقالة رئيس الحكومة وإعادة تكليفه، ويقضي باعتبار ضحايا الأحداث الداخلية كشهداء وواجب وطني، وأمر بتشكيل لجنة لم يتم تشكيلها وتفعيلها بعد لتقييم الأضرار وتقديم التعويضات، فإن انشغال الرئاسة بالتحرك السياسي ورئيس الحكومة بمتابعة مشاورات تشكيلها، من شأنه أن يؤخر معالجة هذا الملف الخطر.
الملف الذي يتصل بالآثار الاجتماعية والثقافية والنفسية التي خلفها الاقتتال، يثير لدى المواطنين أشد القلق والشكوك من سلامة نوايا الموقعين على اتفاق مكة، ومدى إخلاصهم إزاء تنفيذ الاتفاق وضمان ثباته واستقرار الوضع. مصدر قلق المواطن الفلسطيني يتمثل بواقع الحال الملموس في الشارع، خصوصاً في قطاع غزة حتى بعد توقيع اتفاق مكة في الثامن من فبراير الماضي.
فبالرغم من توقيع الاتفاق، وكثرة التصريحات التي تصدر عن المسؤولين بشأن ضرورة تطبيقه والالتزام به، والتبشير بحسناته، إلا أن المظاهر العسكرية في الشوارع لم تختف، وإن كانت تراجعت قليلاً. ولم تتوقف أحداث القتل على خلفية الثأر العائلي، أو الانتقام، ولا توقفت جرائم الاعتداء على المؤسسات والممتلكات الأهلية وحتى الرسمية، كان آخر فصولها وأخطرها الاشتباك الواسع الذي وصف بأنه عائلي في مدينة خانيونس الواقعة جنوب قطاع غزة، واستخدمت فيه القذائف الصاروخية مما أدى إلى تدمير الكثير من البيوت السكنية، وقتل خمسة أشخاص وإصابة ما يزيد على خمسين، جراح بعضهم خطيرة جداً.
في رصدة للأحداث الداخلية فقط في قطاع غزة، يقدم مركز الميزان لحقوق الإنسان المعطيات المقلقة التالية لما وقع منذ اتفاق مكة في 8/2 حتى 25/2:
* بلغ عدد القتلى أربعة عشر قتيلاً، والجرحى ستين من بينهم عدد من الأطفال والنساء.
* وقعت ثلاثة اعتداءات على مؤسسات ومراكز أهلية (نواد ثقافية ونوادي انترنت) واعتداء واحد على مؤسسة حكومية.
* ستة شجارات عائلية أوقعت خمسة قتلى ونحو ثلاثين جريحاً وأربع حالات اختطاف.
هكذا وحسب مركز الميزان تكون حصيلة ضحايا شهر فبراير حتى الخامس والعشرين منه، أعلى من أي شهر سابق، حيث سقط 48 قتيلاً، وأكثر من ثلاثمئة وثمانين جريحاً، بينهم أربعة أطفال قتلى وثلاثة وعشرون جريحاً.
وخلال الفترة ذاتها وقعت سبعة اعتداءات على مؤسسات أهلية وخاصة، وأحد عشر على مؤسسات حكومية، فيما بلغت حالات الاختطاف ستة وعشرين حالة.
الأحداث التي وقعت بعد اتفاق مكة، لا تنتمي إلى عوامل عشائرية بحتة، وإنما تتصل بمخلفات الصراع والاقتتال ذات البعد السياسي بين حركتي حماس وفتح، وبدون أن تجد أي تدخل من الأجهزة الأمنية الضعيفة والمنقسمة وأنهكها الاقتتال، وفي ظل غياب كامل لجهاز القضاء والقانون.
والواقع يشير إلى أنه من الضرورة التعجيل في امتلاك خطة كاملة، متفق عليها، وترتكز إلى تعاون الفصائل مع الأجهزة الأمنية، وإلا فإن استمرار حالة الاحتقان والعدائية في المجتمع، وبين قواعد التنظيمات من شأنه أن يسمم الأجواء الداخلية كحد أدنى، وربما يهدد بانهيار الاتفاق خلال فترة قصيرة.
لقد تطلب التوصل إلى اتفاق مكة ثمناً كبيراً، وعام طويل من الصراع والاقتتال والحصار الصعب، فيما يخشى الفلسطينيون أن يكون ثمن نجاح الاتفاق وثباته، أكبر من ثمن التوصل إليه، وهذا ما يستدعي تركيز الجهد المشترك على مستوى الرئاسة والحكومة الجديدة وعلى مستوى قيادتي الفصيلين الكبيرين فتح وحماس، لنزع الألغام وفي مقدمتها، لغم المصالحة الوطنية لضمان الانتقال إلى مرحلة جديدة مختلفة نوعياً عن مرحلة ما قبل اتفاق مكة.
كاتب فلسطيني
