قبل شهور أقسم الرئيس السوداني عمر حسن البشير بالله العظيم ثلاثاً أنه لن يسلم أي سوداني للتحقيق معه في الخارج في إشارة وقتها إلى بدء المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في يونيو الماضي التحقيق في وقوع جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور غرب السودان.

يوم الثلاثاء الماضي اتهم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو وزير الدولة السوداني السابق للشؤون الداخلية ووزير الدولة للشؤون الإنسانية الحالي أحمد هارون، وكذلك أحد قادة ميليشيا الجنجويد السودانية وهو علي محمد علي «علي كشيب» اتهمها بارتكاب 51 جريمة ضد الانسانية وجرائم حرب مفترضة منها التعذيب والاضطهاد والاغتصاب بحق قرويين في دارفور في الفترة من أغسطس 2003 إلى مارس 2004.

قضاة المحكمة الدولية يفترض أن يبدأوا في دراسة الأدلة التي عرضها أوكامبو وسيقررون هل يتم محاكمة المتهمين في السودان أو إصدار مذكرات توقيف دولية بحقهم.

السودان سارع بالطبع إلى رفض الاتهام متمسكاً بموقفه السابق برفض تسليم أي من مواطنيه.. في المقابل فان بلداناً كثيرة خصوصاً في الغرب رحبت بالاتهام مطالبة الخرطوم بالتجاوب مع المحكمة، أما الغريب فهو أن منظمات حقوق إنسان دولية كثيرة رأت أن الخطوة متأخرة وأن الحل هو توقيع أقصى العقوبات على السودان.

وقبل الدخول في الجدل الدائر، ولتسجيل موقف مبدئي وعملاً بمبدأ التقية فان ما حدث في دارفور خلال السنوات الأربع الماضية وحتى الآن ينبغي أن يرفضه أي إنسان بغض النظر عن دينه وعرقه وموقفه، فالقتل والتعذيب والاضطهاد جرائم لا يمكن تبريرها تحت أي مسمى، وبالتالي فهذه الجرائم مدانة سواء ارتكبها الجيش السوداني أو أنصاره أو المتمردون في دارفور.

المعضلة الراهنة أن الولايات المتحدة الأعلى صوتاً في التنديد بما يحدث في دارفور رفضت التصديق هي وإسرائيل على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وعقدت اتفاقيات مع معظم بلدان العالم ترهيباً وترغيباً لمنع محاكمة جنودها ومواطنيها أمام هذه المحكمة. السودان بدوره لم يوقع على معاهدة روما التي تم بموجبها إنشاء محكمة الجزاء الدولية، وترى الخرطوم انطلاقاً من ذلك أن المحكمة تفتقر للولاية القضائية على السودانيين.

الولايات المتحدة لمحت إلى إمكانية إخراج السودان من ورطة المحكمة إذا قبل دخول قوات الأمم المتحدة إلى دارفور، وهو الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن المحكمة رغم كل التقدير لجهودها في قضايا كثيرة قد يمكن تحويلها إلى أداة ضغط سياسية في يد الكبار ضد الصغار.

السودان ومثلما يرفض تسليم مواطنيه للمحكمة فانه يرفض أيضاً دخول قوات من الأمم المتحدة باعتبارها «طليعة استعمارية» حسبما ذكر المسؤولون السودانيون ذلك مراراً وتكراراً.

السؤال الآن عن الخطوة التالية لدى كل طرف، الكبار من جانب والسودان من جانب آخر. الغرب بقيادة أميركا يراهن على الوقت في إخضاع السودان بالحصار والعقوبات، وعلى غرار ما يحدث في الملف النووي الإيراني فالأقرب إلى المنطق هو أن يشدد الغرب عقوباته على السودان لتصبح هذه العقوبات سلاحاً لمبادلته بدخول قوات دولية إلى دارفور وعدم الاستمرار في محاكمة المسؤولين السودانيين بحيث يتم اختزال القضية في شخصين أو بضعة أشخاص ومحاكمتهم وسجنهم داخل السودان بدلاً من نموذج ميلوسيفيتش الذي مات في زنزانته في لاهاي.

السودان حسم موقفه مبكراً بقسم رئيسه البشير ثلاثاً، لكنه الآن يقف وحيداً في العراء بعد أن تخلى عنه الجميع تقريباً وفي مقدمتهم غالبية العرب، الذين لا يدركون أن دورهم آت لا محالة. ولذلك ليس أمام الحكومة السودانية غير خيارين، الأول الاستمرار في موقفها الراهن الرافض للقوات الدولية والمحاكمة، والثاني الاستجابة للضغوط الغربية ولكن تحت عناوين براقة من قبيل قوات إفريقية بقيادة دولية «غير استعمارية»، أما قسم البشير فيمكن معالجته باللجوء إلى كفارة اليمين والصوم ثلاثة أيام.

emadiraqi@yahoo.com