تصميم الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي على عدم الموافقة على الزيادة في الميزانية العسكرية لعام 2008، وتصريح الرئيس الأميركي بوش الذي قال فيه إنه سيناضل من أجل الحصول على الزيادة في الميزانية العسكرية المطلوبة والتي تزيد على مئتي مليار دولار، أمران يثيران التساؤل حول الكيفية والأسلوب الذي سيستخدمه بوش من أجل إجبار الكونغرس على الموافقة على هذه الزيادة والتي تقدر بأكثر من 50% من أصل ميزانية الدفاع الأميركي التي تزيد على أربعمئة مليار دولار بقليل، ماذا سيفعل بوش وإدارته من أجل الحصول على هذه الزيادة؟

هذا هو السؤال الذي يقلق موسكو كثيرا، وربما هو السؤال الذي كان وراء حدة خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ في العاشر من فبراير المنصرم، ولو تذكرنا أن الرئيس بوتين في هذا الخطاب الذي مازالت تداعياته وأصداؤه تتردد حتى الآن قال إنهم في واشنطن يشنون الحروب على الدول والشعوب من أجل مصالح سياسية ومالية داخلية، وأن هذه المصالح تدفعهم أحيانا كثيرة إلى الإفراط في استخدام القوة بالشكل الذي يوقع الآلاف من الضحايا الأبرياء .

حسب الدستور والنظام الأميركي فإنه من حق الكونغرس عدم الموافقة على زيادة الميزانية العسكرية وإيقافها، وفي نفس الوقت يبيح الدستور الأميركي للرئيس حق إعلان الحرب وشنها على أي جهة تشكل تهديدا لأمن الولايات المتحدة، وفي حالة إعلان الحرب لا يملك الكونغرس الأميركي حق رفض الموافقة على دفع الميزانية الحربية المطلوبة، بمعنى أنه أمام إصرار الكونغرس على عدم الموافقة على الزيادة في الميزانية العسكرية فإن بوش ليس أمامه سوى حل واحد وهو إعلان الحرب .

ولكن أي حرب ومن هو العدو؟

الرئيس بوش طلب الزيادة من أجل استمرار ودعم عمل القوات الأميركية في العراق، ولكن الكونغرس رفض هذا المبرر، ولم يعد أمام المحافظين المتشددين في إدارة بوش هدف سوى إيران، وهو ما سمعناه من تصريحاتهم، وهو ما يثير قلق موسكو التي ربما توافرت لديها معلومات استخباراتية كافية تدل على أن البنتاغون أعد العدة لتوجيه ضربة لإيران يتوقع أن تكون خلال الربيع أو في مطلع الصيف.

وهو ما صرح به الرئيس الروسي بوتين في رده على سؤال حول احتمال توجيه ضربة لإيران بقوله «إنهم كانوا يقولون قبل دخولهم العراق إنهم لن يدخلوه ودخلوا ولم يخرجوا حتى الآن، والآن حاملات الطائرات العملاقة والغواصات حاملة الصواريخ البعيدة تدخل مياه الخليج، ولا يمكن أن نتصور أن هذا كله من أجل العراق، كما لا يمكن تصور قطع هذه السفن الحربية العملاقة آلاف الأميال لتعود بدون عمل».

أعتقد أن الأمر بالنسبة للرئيس بوتين ليس مجرد توقع أو تحليل لمعطيات الواقع، بل أكبر من ذلك بكثير، وربما يكون بالفعل لدى الكريملين معلومات من جهات استخباراتية تشير لاستعدادات عسكرية لتوجيه ضربة لإيران.

قد يتصور البعض أنه أمر جنوني أن تقدم واشنطن على ضربة لإيران باعتبار أن أوضاع القوات الأميركية في العراق لا تسمح بذلك، وأن ضربة مثل هذه لن تؤدي إلا لمزيد من التعنت والتشدد لدى إيران وتصميمها على الاستمرار في عمليات التخصيب النووي وتصعيد الأزمة حوله، ولكن المشكلة هنا أن أمام إدارة بوش هدفا آخر لا بد من تحقيقه وهو الحصول على الزيادة في الميزانية العسكرية.

وهي زيادة كبيرة لا تقل عن مئتي مليار دولار وربما ستكون آخر زيادة بهذا الحجم في الميزانية العسكرية الأميركية لسنوات طويلة قادمة إذا وصل الديمقراطيون للحكم في البيت الأبيض، وهذا في حد ذاته مبرر كبير للمحافظين الجدد الذين يمثلون في الغالب مصالح الجهات المهيمنة على التصنيع الحربي في الولايات المتحدة والذين تذهب إليهم الحصة الأكبر من هذه الميزانية.

إذا السؤال ليس حول إقدام الإدارة الأميركية على الضربة العسكرية أو عدم إقدامها، ولكن السؤال حول تداعيات هذه الضربة في حالة وقوعها، حتى لو كانت محدودة كما يتوقع البعض، لأنها أيا كانت محدوديتها فهي لن تمر بلا خسائر وبلا تداعيات قد تكون أخطر بكثير مما يتوقع البعض، خاصة إذا قسنا رد الفعل الإيراني على هذه الضربة على كافة الأصعدة سواء العسكرية منها أو السياسية أو الاقتصادية.

ورد فعل هذه الضربة على الأوضاع في منطقة الخليج وعلى أسواق الطاقة العالمية، إنها ردود فعل كثيرة ومتشعبة ويصعب حصرها والحديث عنها وعن مدى خطورتها، وقد لخصها الرئيس الروسي بوتين بقوله في ميونيخ «إن الإفراط في استخدام القوة من قبل القوة المهيمنة على الساحة الدولية قد يؤدي إلى كارثة يعاني من أثارها العالم كله وليس منطقة الصراع وحدها».

من المؤكد أن الرئيس بوتين ناقش هذا الأمر أثناء جولته الأخيرة في الشرق الأوسط مع القادة العرب الذين التقى بهم، وربما تكون التصريحات التي سمعناها أخيرا من بعض القادة والسياسيين في دول الخليج العربي من أنهم لا يوافقون على توجيه ضربة لإيران ويتمسكون بحل الأزمة بالطرق الدبلوماسية، ربما يكون ذلك صدى لمباحثات الرئيس بوتين في السعودية والأردن وقطر، ولكن يثور التساؤل هنا أيضا حول موقف روسيا في حالة وقوع هذه الضربة، وإن كنا لا نعتقد أن الإدارة الأميركية سوف تعير أي اهتمام لموقف أي دولة أو جهة في العالم إذا صممت على الإقدام على هذه الخطوة، وسلوكها مع العراق منذ عام 2003 يوضح ذلك.

خاصة وأنها لم تعير أي اهتمام للرأي العام الداخلي في الولايات المتحدة والذي وقف ضدها، مما أدى لسيطرة الديمقراطيين على المجلسين النيابيين في واشنطن حتى أصبحوا على بعد خطوات قليلة من السيطرة على البيت الأبيض، ولكن هذا لن يمنع موسكو من اتخاذ مواقف محددة تجاه هذا الأمر إن لم يكن بحكم علاقاتها مع طهران، فسوف يكون بحكم كونها دولة كبيرة لها مصالح متعددة في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط بالتحديد، كما أنها ثاني دول العالم في أسواق الطاقة العالمية التي سوف تتأثر بشدة بأي توتر حاد في المنطقة، لهذا فإنه من المتوقع أن يكون لروسيا موقف غير عادي في حالة توجيه واشنطن ضربة لإيران، وإن كان من السابق لأوانه تصور حجم الموقف الروسي من الآن.

جامعة سيبيريا