هال الزميل عماد حسين في مقاله المنشور بتاريخ 24 فبراير الجاري وبعنوان «عبارات جوفاء» التردي الحاصل في خطابنا السياسي، بحيث صارت العبارات والجمل التي تلوكها ألسنة بعض زعمائنا ومسؤولينا ليل نهار فارغة المضمون والمحتوى، بل وفقدت أي صلة ربط بينها وبين ما يحدث على أرض الواقع، والأكثر من ذلك.
أصبحت تمثل الوجه الآخر المناقض للصيرورة التي تسير بها الأمور، وبدا الزميل كما لو كان يريد أن يدق جرس الإنذار لتنبيه زعمائنا ومسؤولينا بأن البضاعة التي اعتادوا على الترويج لها وبيعها للمواطن العادي البسيط قد فقدت تأثيرها، وأن عليهم أن ينقبوا عن بضاعة جديدة ليأسروا بها الخيال والحلم كما فعلوا ذلك على مدار عقود خلت.
وأغلب الظن أن مبعث الشعور بالأسى والإحباط إزاء حالة الانفصام بين الخطاب السياسي والواقع العملي يعود إلي الافتراضات التي على أساسها تم تشييد الخطاب، والتي اكتشف البعض منا أنها مجرد أكذوبة كبرى إن لم تكن ضربا من ضروب الأوهام التي نجحت نخبنا على مدار عقود في التبشير لها لاستلاب العقول وإخضاع المجتمعات وإزالة أية تنوعات واختلافات تحت دعاوى برهن الواقع على زيفها.
نحن نفترض أن هموم بعض قادتنا ومسؤولينا محصورة في هم واحد أو همين أو ثلاثة على أكثر تقدير، وهم يقضون ليلهم ونهارهم في نقاش وبحث دائمين عن مخرج لهذه الهموم، وبالطبع، وبحكم أن قادتنا أكثر الناس علما بما يدور في خلجات أنفسنا، فهم حريصون على عدم تكسير هذا الافتراض، طالما أنه مازال يأسر عقل وخيال المواطن البسيط.
ولهذا يخرج عن اجتماعاتهم ولقاءاتهم قوالب خطاب تكاد أن تكون نسخا مكررة لبعضها البعض، فهذه هي البضاعة التي مازالت تأسر قلوب وعقول البعض الذين ما زالوا أسرى افتراضات أخرى لم يجرؤ أحد حتى وقت قريب على التساؤل عن وجودها من عدمه، ومن حاول فعل ذلك، تلاحقه اتهامات شائنة تصل إلى حد اتهامه بالعمالة والخيانة وغير ذلك من الموصومات التي تدفع إلى حد القتل السياسي.
نحن نفترض أن مفردات الخطاب السياسي هي امتداد للمفردات التي تم صوغها في حقبتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كنتيجة لافتراض أن الجسد السياسي الرابض على الرقعة الجغرافية الممتدة من الخليج حتى المحيط هو جسد واحد متوحد، وبالتالي، فإن أية تمايزات أو تنوعات سواء ثقافية أو حضارية أو لغوية هي مجرد بثور من صنع الاستعمار والقوى المتربصة بهذا الجسد.
ومن ثم، فهي أورام سرطانية يجب العمل على بترها حتى يستقيم حال الجسد ويصبح أكثر صحة وقوة، بل وانتشينا باجتثاث هذه التمايزات والتنوعات حتى يصبح الجسد كله مقولب في قالب واحد ووصل ولعنا بالقالب الواحد المتوحد إلى حد افتراض أن طالما أن الجسد السياسي واحد، تصبح النتيجة المنطقية، أن يكون هناك رأس واحد لهذا الجسد مختزلا في الزعيم الأوحد الذي يجب أن تتطاير إلى جانبه كل الرؤوس، ولا مجال لبروز قيادات سياسية إلى جانب الزعيم الملهم الخالد، وعلى هذه الأرضية، ترعرع الصراع بين الأنظمة الملكية وتلك التي لقبت أنفسها بالثورية.
نحن افترضنا أن الفرد مجرد لبنة في بناء المجتمع، وأنه لا مجال لأن يكون له خصوصيته وتفرده، وكما تنازل الفرد عن خصوصيته لصالح المجتمع، تنازل المجتمع عن سلطانه للزعيم الأوحد الذي أختزل المجتمع بطموحاته وأهدافه في شخصه، وحتى عندما غيب الموت الزعيم الأوحد، نسجنا بخيالاتنا زعماء آخرين عسى أن يكون أحدهم قادرا على قيادة مسيرة هذا الجسد الذي يتوق إلى الخلاص بأن يصبح واحدا متوحدا.
وطالما أن المسألة كلها مجرد افتراضات، فلماذا لا نفترض أن بعض زعمائنا ومسؤولينا لا يريدون إيقاظنا من سباتنا بتكسير هذه الافتراضات حتى لا نكتشف أن قضاياهم وأحاديثهم مختلفة تماما عما نحن نفترضه في عقولنا، وأنهم لا يريدون الخروج عن الطريقة المعهودة والمتوارثة في صياغة الخطاب السياسي حتى لا تصاب عقولنا بالبلبلة والتشويش، وذلك تيمنا بالحكمة المأثورة القائلة «ما نعلمه أفضل مما لا نعلمه» أو بالأحرى، أن مجرد وجود الافتراضات في حد ذاتها أفضل من عدمها.
أما ما يحدث على أرض الواقع، فهو لا يمت لنا، وليس لنا صلة به، وهكذا، نظل نحلق ونحلق بافتراضاتنا لنرتطم مرة واحدة وبدون مقدمات بالمقاعد في الاجتماعات وهي تتعانق في الهواء، ودماء أبناء جلدتنا تسيل على أيدينا، ووحدة أوطاننا تتمزق أوصالها إربا إربا، ونحن، مازلنا نحلق ونحلق بافتراضاتنا.