رغم الابتسامات الدبلوماسية ـ والتقليدية أيضا والمعادة ـ حتى لا ننسى ـ بشكل دوري مكرور، ورغم أن الثلاثي الذي ضم السادة رايس الأميركية وعباس الفلسطيني وأولمرت الإسرائيلي ظهر في نفس الصورة وقد حفهم علمان اثنان ليس إلا.. هما علم أميركا (الدولة الراعية) وعلم إسرائيل (الدولة القائمة بالاحتلال) ـ رغم هذا كله فلم تفلح لا الصورة ولا الابتسامات في تبديد غيوم التشاؤم الذي غشيت آفاق الوضع المتأزم في الشرق الأوسط.
صحيح أن الغارديان البريطانية سجلت ـ ربما من باب التعلل بالإيجابيات ـ أن الأسبوع الماضي شهد لقاء الثلاثي المشار إليه، وكان الأول من نوعه منذ 4 سنوات لكن الصحيفة الانجليزية لم يفتها أن تسجل، في باب الموضوعية هذه المرة، أن هذا اللقاء (وبالذات مبادرة وزيرة الخارجية الأميركية) جاء نموذجا لسلوك الالتفاف حول القضية.. بمعنى حركة لف ودوران كما ذَكَرت الصحيفة أو حركة مراوحة في نفس المكان، كما قد نتصور من منظورنا العربي.
ومن ثم فلم يثمر اللقاء شيئا مذكورا ولا أدى، ولو الى حلحلة بعض الأوضاع المتأزمة أو فك الطلاسم المتشابكة وكيف يتسنى ذلك واللقاء لم يستغرق سوى ساعتين في حين أن البيان الذي نجم عنه لم يستغرق سوى 90 ثانية وكل ما هنالك أن أعطت وزيرة الخارجية القادمة من واشنطن انطباعا، مجرد انطباع بالحركة وأعطى الطرف الفلسطيني انطباعا بالمشاركة وأعطى الطرف الإسرائيلي انطباعا لناخبيه بالذات ومؤيديه في الغرب الأورو ـ أميركي ـ بأنه ما برح مصّرا على انتهاز فرصة تردي الموقف العربي لكي يقتنص اعترافا كاملا ومجانيا بإسرائيل.
بل هناك من المحللين الانجليز من ذهب أبعد من هذا المدى.. تنشر الدايلي تلغراف، لسان المحافظين في انجلترا تحليلا لمراسلها في واشنطن «توبي هاندن» يشير فيه الى أن زيارة رايس الى المنطقة كان ظاهرها (الاعلامي) معاودة أو محاولة إحياء «عملية» السلام ولكن باطنها (الجوهري) كان متصلا بما يصفه الكاتب الانجليزي بأنه «حشد الدعم السُنيّ لصالح الإدارة الأميركية الحالية في إطار المواجهة الراهنة بينها وبين إيران».
وربما كان في مثل هذا التحليل قدر من الصواب ولكن من ناحيتنا نتصور أيضا أن اللقاء الثلاثي الذي شهدته الأيام الأخيرة من فبراير.. كان بمثابة تنفيذ أو تفعيل بند بات مطروحا في الوقت الحالي على أجندة البيت الأبيض بشكل عام وأجندة الحزب الجمهوري الحاكم بشكل خاص.. وبمعنى أن تحركات رايس جاءت أقرب الى رسالة موجهة الى الناخب الأميركي الذي يراجع الآن حساباته.
ويوازن بين اجراءات الجمهوريين ووعود الديمقراطيين وما بين الاجراءات والوعود تكمن أزمة أو هي ورطة الأوضاع في العراق بكل خسائرها البشرية والمادية وبكل خصوماتها السياسية التي نالت ولاشك من رصيد الحزب الجمهوري الذي يستعد بدوره لإعلان اختيار مرشحه القادم في الانتخابات الرئاسية التي ينعقد سباقها بعد أقل من 10 أشهر هي الباقية من روزنامة هذا العام.
بيد أن الرسالة التي ألمحنا إليها تحتوي هامشا أو تذييلا موجها على وجه الخصوص الى جمهور مؤيدي إسرائيل سواء من يهود الولايات المتحدة (في نيويورك وما في حكمها من ولايات ساحل الشمال الشرقي بالولايات المتحدة) أو من منتخبي الانجليكان المتحالفين مع المحافظين الجدد (خاصة في ولايات الغرب الأميركي الأوسط) وقد صاروا، كما بات معروفا، ولأسباب عقيدية من غلاة مؤيدي إسرائيل.
مع ذلك، يسترعي الاهتمام أن ثمة دعوات موضوعية وثمة أقلام متعقلة وتحليلات رصينة نرصدها حالياً في الميديا الأميركية وتصب في اتجاه الدعوة الى أن تعاود واشنطن تعاطيها مع قضية القضايا في الشرق الأوسط بقدر أكبر من الجدية.
في الهيرالدتربيون (عدد 14/2) يوجه روجر كوهن دعوة الى إدارة واشنطن تحت عنوان يقول فيه: حان الوقت لكي تتحلى أميركا بثبات الشجاعة إزاء قضية إسرائيل وفلسطين. وبين سطور الدعوة يوجه الكاتب الأميركي الخطاب الى القيادة السياسية العليا في بلاده قائلا: إذا كنتم جادين بحق بشأن شرق أوسط مختلف بعد مرحلة صدام حسين.. فأثبتوا لنا أنكم جادون أيضا في حل مشكلة المشاكل بالمنطقة وهي الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. ثم تتواصل عبارات المحلل السياسي الأميركي موضحة أن ما تدعيه إسرائيل بأنه ليس هناك طرف فلسطيني تتحاور معه.. ليس سوى ذريعة لتجميد الحركة بحيث يكمن وراءها حسابات استراتيجية تجسد إيمان إسرائيل بأن السياسة ما هي إلا حرب ولكن بوسائل مختلفة.
وبصراحة ـ يضيف روجر كوهن بغير مواربة ـ فإن إسرائيل ترصد حساباتها على أساس أن ليس هناك أي خطر يهدد وجودها من جانب الفلسطينيين (ونضيف نحن من عندنا.. أن لا خطر أيضا يهددها في ظل الأوضاع الحالية من جانب سائر القوى والأطراف العربية).. ومن ثم فإن إسرائيل تستطيع أن تفرض شروطها سواء بالتعايش مع جيرانها أو بالسيطرة على هؤلاء الجيران.
في السياق نفسه تحرص إسرائيل على إسكات أي صوت رافض لسلوكها السياسي أو ساخط عليه أو ناقد له مهما كان موضوعيا.. وحتى بين قطاعات من يهود أميركا المتواجدين بين صفوف العلماء أو الفنانين والمبدعين أو السياسيين أو الأكاديميين والحق أن هناك أصواتاً وحيدة أو معزولة على نحو ما يصفها ستانلي كتلر (في مقال مهم في الهيرالد تربيون أيضا، عدد 12/2).
وبرغم أن غلاة مؤيدي الحركة الصهيونية ولاسيما «لجنة الدفاع ضد التشهير» الذائعة الصيت لا يألون جهدا في إسكات أي صوت يرتفع بأي نقد لسلوكيات النظام الصهيوني المحتل للأراضي الفلسطينية.. وبالرغم من أن هؤلاء الغلاة لا يتورعون عن إشهار سلاح الابتزاز السياسي والإرهاب المعنوي تحت شعارهم الأثير «اضبط.. هذه معاداة للسامية»، إلا أن هذه الانتقادات التي تقضّ مضاجعهم تأتي من شخصيات يهودية، لم يفّت في عضدها ممارسات الابتزاز أو التشهير.. وربما تطورت الى حد أن أصبحت أقرب الى الظاهرة التي حملت مؤخرا عنوان «الفكر اليهودي التقدمي».
وليس لأحد أن يزايد على ستانلي كتلر فقبل أن يكون كاتبا يهوديا فهو أستاذ جامعي وهو يبدأ مقولته بالتسليم، من وجهة نظره، بحق إسرائيل في الوجود على أساس أن تلك مسألة لا تقسم صفوف اليهود.. لكنه يؤكد أن الانتقادات الموجهة الى إسرائيل بالذات ترجع الى سلوكياتها وممارساتها في احتلال الأراضي العربية»
. والحاصل أن يكاد المحللون المعنيون بالأمر يجمعون على أن رايس ضيعت فرصة كانت سانحة في قمة القدس الأخيرة لتحريك مسيرة الحل وتفعيل رؤية بوش القائلة بدولتين متجاورتين.. لقد كان عليها أن تواجه أولمرت كي تنبهه الى أن حرب العراق أفضت الى تسييل الأوضاع في المنطقة مما خلق فرصة سانحة ـ كما يوضح روجر كوهن ـ لترتيب الأوضاع والتوصل الى حلول نهائية تكفل مزيدا من الأمن لناخبي أولمرت أنفسهم.. فضلا عن ضمان مصالح أميركا ذاتها كما يفهمها ناخبو الحزب الجمهوري. ثم يشدّد المحلل السياسي الأميركي على أن إحراز أي تقدم في منطقة الشرق الأوسط يتطلب التسلح بعناصر ثلاثة في التعامل مع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.
أخيرا يقول كاتب الهيرالد تربيون بالحرف: بات الأمر يقتضي أن نفارق التابوهات (المحرّمات) الأميركية التي صنعناها بعد الحادي عشر من سبتمبر. وكان من نتائجها أن هبطنا بالنقاش الذي يتعرض الى إسرائيل فكاد يصبح قدس الأقداس الذي لا يجوز التعرض له (مما أصاب الحوار بالشلل).. كيف لا وقد أفضى هذا الوضع الى معادلة تقول: إذا ما ساندَت الفلسطينيين.. فكأنك تساند الإرهابيين!
كاتب مصري