وفق المصطلحات التي يضعها علم الاجتماع السياسي، تعتبر الثقافة جزءاً من البنية الفوقية في المجتمع، تتحدد معالمها وخصائصها الأساسية، بنمط الإنتاج الاقتصادي وبعلاقات المنتج مع أدوات الإنتاج. ووفق ذلك، فإن ثقافة المجتمع الرعوي تختلف عن ثقافة المجتمع الزراعي، وهذه بدورها تختلف عن ثقافة المجتمع الصناعي.

و تعتبر الثقافة من أهم صلات الربط بين أبناء البلد الواحد، أو بين أبناء بعض مكوناته. وتكمن في كل ثقافة، عناصر كثيرة متنوعة، بعضها قديم جداً يمتلك القدرة على الديمومة، وبعضها فيه قدر من الحداثة. وتعتبر اللغة، الشعبية منها بشكل خاص، من عناصر الثقافة الأساسية، فهي تعكس أكثر من أي مَعلمٍ ثقافي آخر عناصر التفكير الجمعي للمجتمع وتعكس سايكولوجية الفرد فيه.

وتتأثر ثقافة مجتمع معين بالأجواء المحيطة به وبالأحداث التي تقع فيها، ويعتمد حجم هذا التأثير وسرعته على طبيعة هذا الحدث ومصدره، فالأحداث اليومية العادية، رغم أنها تعمل على المدى البعيد في التأثير على النسيج الثقافي للمجتمع، إلا أن ذلك يحدث على نار هادئة، هذا بخلاف أحداث أخرى مُدوية تغير من نمط الحياة ومن مشاعر المجتمع تغيراً هائلاً بشكل فجائي.

يعتبر الاحتلال البريطاني للعراق، عام 1917، من الأحداث الكبيرة جداً في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي حيث شكل ذلك الحدث منعطفاً مهماً عكس تأثيره الكبير على الإنسان العراقي في جميع جوانب الحياة. فقد سقطت الدولة العثمانية التي حكمت بعقلية سلاطينها ومنظومة قيمها وأساليب عملها مدة طويلة من الزمن، دام ثمانية قرون تقريباً، منطقة واسعة من الشرق الأوسط كان العراق في قلبها، فصبغت بذلك مفردات الحياة اليومية للفرد العراقي بطابعها الخاص، وكان للتغير الفجائي الكبير، السياسي والاجتماعي، الذي فرضه الاحتلال أن يلعب، فيما بعد، دوراً مهماً في مسارات الأحداث اللاحقة، ويعكس بالتالي تداعياته على الأطر الثقافية للمجتمع العراقي وبالتالي على سلوكيات الفرد.

لقد ساعد الاحتلال البريطاني للعراق على نشوء معالم ثقافية جديدة في المجتمع العراقي، معادية للاحتلال في مجملها، تأسست على عاملين أساسيين: الأول هو الاختلاف في الانتماء الديني بين العراقيين وبين المحتلين، مما أوجب من الناحية الشرعية صدور الفتاوى بتحريم التعاون مع المحتل ووضعه في خانة العدو، والثاني هو النزعة القبلية القوية المتأصلة في المجتمع العراقي التي تدافع عن الأرض والعرض، وهي نزعة ذات طبيعة تنسجم مع طبيعة أغلبية مكونات الشعب العراقي آنذاك، وهم من الفلاحين.

أما الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003، فقد جاء في ظل ظروف محلية وإقليمية وعالمية مختلفة، ساعدت على تراجع تأثير العامل الديني كقوة محركة للسواد الأعظم من العراقيين عرباً وأكراداً، كما أن النزعة التي تدافع عن الأرض والعرض، قد أصابها الخدر اللذيذ وهي ترى في المحتل صديقاً منقذاً من جبروت النظام السابق.

لقد نشأ في أجواء ثورة العشرين، التي اندلعت في وسط وجنوب العراق ضد الاحتلال البريطاني عام 1920، أدباً ثراً تجلى في الشعر والنثر والأهزوجة، ونشأت في أُطرها تقاليد فخر وأسماء معارك ومواقع وشخصيات قيادية ارتبطت بصناعة أحداث تلك الثورة. وقد وظفت القوى السياسية العراقية المعارضة للنظام الملكي أحداث ثورة العشرين والتقاليد الثورية التي رافقتها، ووظفت السمو الثقافي الذي تميزت به أقلام المثقفين العراقيين في تلك الفترة لغرض استكمال التحرر التام من النفوذ البريطاني الذي استمر طيلة العهد الملكي الذي أُسقط في الرابع عشر من يوليو في عام 1958.

أما ما جرى منذ سقوط العاصمة العراقية في التاسع من أبريل من عام 2003، وحتى الآن، على المستوى الثقافي، فهو إرهاصات لقدوم ثقافة من نوع جديد لم تتمكن، حتى الآن، من ترجمة نفسها إلى كلمات قادرة على الدخول في عقول الناس أو قلوبهم، وذلك لأن قطاعاً واسعاً من العراقيين، خاصة المثقفين منهم، الذين لاقت أقلامهم الأمرين، في العهد السابق، قد رحب بالاحتلال، أو لم ير فيه عدواً مباشراً آنياً يتطلب تجييش الشعر والنثر والكلمة المعبرة لمطاردته.

لقد وجد بعض المثقفين العراقيين في الحرية المتاحة لهم، دون ضوابط تذكر، في الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق، ما أنساهم مبدأ الالتزام نحو شعبهم ونحو القيم التي ينتمون إلى فضاءاتها والتي كان عليهم أن يحرصوا على ديمومتها فهي ديمومة لهم في الوقت نفسه، ألا هو الحضور الفاعل في الساحة الثقافية كرواد للطروحات التي تؤرق الإنسان وتحمل همومه وتعبر عن خلجاته. فالمثقف أقدر كثيراً من غيره على رؤية ما يكمن خلف الأحداث وأعرف من غيره بما يمكن أن يجر الاحتلال من ويلات على البلد، وهو فوق ذلك أقدر من غيره في التأثير على مجرى الأمور ومساراتها.

فأولى المعالم الثقافية التي أفرزها الاحتلال هو الاعتزاز بالتاسع من أبريل من عام 2003، يوم سقوط العاصمة العراقية واعتباره يوم عطلة رسمية، أي بمثابة عيد وطني، لدى قطاع من الشعب، واعتباره عكس ذلك لدى قطاع آخر، مما أوجد شرخاً خطيراً في البنية الثقافية العراقية قبل أن يحدث شرخاً في المواقف السياسية من هذا الحدث الجلل التي أدت لاحقاً إلى استقطاب سياسي خطير بين مكونات الشعب العراقي لا يزال يهدد بأوخم العواقب.

لم يحدث في تاريخ العراق أن يقوم المثقف بتسخير يراعه في وظيفة لا تليق باليراع أن يكتب كلمة واحدة فيها، فمن المحزن أن نرى أقلاماً كثيرة قد وظفت نفسها لتكريس تقاليد طارئة على البنية الثقافية العراقية معلقة الإخفاق في رفد الفضاء الثقافي العراقي على شماعة النظام الديكتاتوري السابق ومبرأة نفسها من تهمة الابتعاد عن واجبها الأساسي الذي ينبغي أن يتجاوز السكوت والاعتزال عن المشهد السياسي الذي يدعو للرثاء في العراق، نحو المساهمة الجادة في تعطيل العجلة الدوارة التي يغذيها وقود سام والتي توشك أن تقود البلد نحو كارثة تمزق شعبه الذي لم يعرف التشظي والتشرذم في أزقة العرقية والمذهبية التي تفوح منها رائحة تزكم الأنوف.

يلعب المثقف عادة دوراً رائداً في مجتمعه، فهنالك من يستمع لما يقول أو يقرأ ما يكتب، وهو سواء في هذا أو ذاك، يعتبر شخصية مجتمعية تقع عليها مسؤوليات أدبية وأخلاقية كبيرة ليس من السهل تجاهلها، ولا أريد في هذا المجال أن أقول هنا بأن على المثقف أن يلتزم بتقاليد المهنة، فالثقافة ليست مهنة والمثقف ليس موظفاً إلا في دائرة الضمير الجمعي للمجتمع التي تتطلب حضوراً وجدانياً دائماً.

لقد وصل الانحطاط الثقافي والسياسي والأخلاقي في العراق إلى مستوى لم نعهده في كل تاريخنا الطويل، فمن المحزن أن نرى بعض المثقفين يغادرون فضاءهم الثقافي المقدس ليشغلوا مواقع في قاطرة طارئة تنشر ماكينتها غازات سامة وخانقة، ومن المحزن كذلك أن نرى أقلاماً تخط بذاءات في السياسة والقيم تملأ الصحافة الإلكترونية العراقية.

ورغم أن كتابها غير معروفين من قبل إلا أن بعضهم يمتلك فعلاً من القدرات الأدبية والفنية في الصياغة والعرض ما يؤهل كتاباته لأن تقرأ لو ترك المستنقع الآسن الذي يسبح فيه وعاد إلى ضفاف أحد النهرين الخالدين، دجلة والفرات، اللذين تعمد في مياههما النظيفة، أسلافنا العظام الذين ابتكروا الحرف وكتبوا به أولى الشرائع في أور، على يد أورنمو، ثم في بايل، على يد حمورابي.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae