في طفولتي المبكرة، كان أشد ما يلفت انتباهي تلك العلاقة بين والدي والمذياع في فترة الظهيرة، ذلك الوقت الذي كنا نعود فيه من المدرسة مشياً على الأقدام، فقد كانت المدارس قريبة بعض الشيء من منازل الطلاب، وحكاية رفاهية التنقل بالسيارات الخاصة لم تكن معروفة بعد، وكذلك لم يشع استخدام الباصات بصورة كبيرة، في فترة الظهيرة تلك، وبعد ان نتناول الغداء كان علينا ان نصمت تماماً في حضرة المذياع، ومن تسول له نفسه الضحك أو المشاكسة فإن ردة فعل الوالد ـ رحمه الله ـ لم تكن عابرة!
ارتبط أبي بالمذياع، فكان لا يفوت وصلة الساعة الواحدة لأم كلثوم، ونشرة أخبار الساعة الثانية، ولذلك كنا جميعاً أنا واخوتي الصغار نكره أم كلثوم والأخبار معاً، فكم لقينا من تعنيف وصراخ بسبب خرق حالة الطوارئ التي يفرضها أبي في المنزل، كنا نجد أم كلثوم صوتاً «بشعاً» لا نفقه شيئاً من غنائها، أما الأخبار فكانت ألغازاً وأحداثاً وأسماء لم نكن ندري لماذا يتابعها أبي وما علاقته بكل هذا الذي يتحدث عنه المذيع!!
اليوم، لا شيء يضاهي غناء أم كلثوم عندي، وقد صدق من سمَّاها «الست» فهي سيدة الأغنية والغناء العربي بلا منازع، وقد جاء على أطراف زمانها وخلاله وبعد رحيلها كثيرون، بعضهم غنى فأمتع وأشجى سامعيه، وبعضهم لوث البيئة والفضاء وربما كان له دخل في اتساع ثقب الأوزون لما لصوته وغنائه وكلمات أغنياته من خطر وضرر ووقع سيئ على السمع والذائقة والأخلاق والبيئة أيضاً!!
اليوم لا يتابع أحد أخبار العالم عبر الإذاعة ولا يرتبط الناس بالمذياع كعهد أبي، فقد جرت مياه تحت جسور السنين، وصارت الإذاعة للبث المباشر، وتفسير الأحلام، وما يطلبه المشاهدون وبرامج أخرى تناسب العصر وأهله، يستمعون إليها وهم عالقون في زحام الطرقات، أو محشورون في ساعات الذهاب للعمل أو العودة منه، ولتستقطب الإذاعات مستمعيها فقد اخترعت لهم المسابقات والهدايا والعروض الجذابة والرسائل النصية القصيرة.. وصارت العلاقة منفعة عامة تحكم المسافة بين موجات الأثير وأذن المستمع.
هذه العلاقة لم تكن أبداً على أيام والدي وجدي وارتباط والدتي بإذاعة «صوت العرب» حيث كانت وما زالت مأخوذة بخطب عبدالناصر وتشنج المذيع الذائع الصيت أحمد سعيد.
اليوم يحظى الناس بالخبر لحظة وقوعه، فالقنبلة، تنفجر في بيروت فإذا بالناس يعدون الجثث في كل مكان عبر الفضائيات، بينما يتابعون عويل المرأة الفلسطينية لحظة اغتيال ابنها أو جرف منزلها، وفي مكان ما في بغداد تنفجر سيارة مفخخة فيأتينا الخبر العاجل في اللحظة نفسها وكأنه يهدي لنا شيئاً لم يخطر لنا على البال.. دماء وأشلاء وأحذية متناثرة، وجثث مغطاة بخرق بالية لمجهولين يغيبهم دمار العراق على يد الديمقراطيين النبلاء. أخشى أن يأتي يوم نشم فيه رائحة البارود والدم وتعفن الجثث العربية عبر الشاشات، فأقول: الله يرحم مذياع أبي!