تنطوي سيرة المشروع النووي الكوري الشمالي على كثير من عناصر الدهشة والإثارة وربما الطرافة. فعند بدايات المشروع، كان بوسع نظام بيونج يانج الشيوعي الدفع بأن بلاده بحاجة ماسة لمصادر الطاقة النووية للأغراض السلمية. لكن هذا النظام لم يراوغ وإنما جاهر بالسعي للوصول إلى السلاح النووي.
وابان الاجتهاد على هذا الطريق، عملت بيونج يانج بالقدر ذاته من الشفافية، حتى ليمكن لأي متابع محدود الاطلاع التعرف على مختلف مراحل هذا المشروع وما يتصل به من خطوات رديفة.. مثل تطوير الصواريخ بعيدة المدى القادرة على حمل رؤوس غير تقليدية.
قد يصف البعض هذا السلوك بالتبجح أو التواقح أو الاستخفاف بالآخرين المعنيين بالجوارين القريب والبعيد وانتهاك القوانين والشرائع والتنظيمات الدولية ذات الصلة بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ..لكن ذلك لا ينفي جرأة هذا النموذج قياساً بتصرفات قوى أخرى لطالما حرصت على إخفاء أنشطتها النووية أو التمويه على أهدافها الحقيقة إن تعذر هذا الإخفاء.
اللافت أيضاً أنه بينما كانت بيونج يانج تصارع الوقت للتعجيل بإنجازها النووي، فإنها كانت تفاوض على مستقبل مشروعها الطموح ومصيره مع طيف واسع من المنشغلين به لسبب أو آخر. وهى أظهرت على هذا المضمار حنكة واسعة وقدرة على المناورة والمساومة بشكل أعيا مفاوضيها طويلاً إلى أن بلغوا معها نقطة وصفت بالتوازن وإرضاء معظم الأطراف. قوامها تجميد الأبعاد العسكرية من المشروع على طريق الإلغاء والتفكيك، مقابل حوافز اقتصادية وأمنية وسياسة تتلقاها أساسا من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية..
من غرائب هذه النهاية أن نظام بيونج يانج آثر التخلي عن مشروعه في اللحظة ذاتها التي يفترض أنه بلغ عندها ذروه النجاح، وهي استحواذه بالفعل على السلاح النووي ووسائل حمله إلى حيث يريد. فما الذي أجبره على ذلك مع أن المقابل المعروض لا يبدو ظاهريا شديد الإغراء؟. لماذا يضحي هذا النظام بمشروع بذل له وقتاً وجهداً ومالاً، وكان يعتبره من مقومات الكرامة الوطنية ويقسم إلى وقت قريب إنه لن يحفل بالضغوط والعقوبات المضادة ويسخر منها؟!.
الأرجح أن التشدد الممتد والاستعصام بالنووي وتصويره كقضية مصيرية، كان من مستلزمات الصلابة التفاوضية والحصول على أقصي الممكن، الذي تمثل في تأمين النظام الحاكم، نظام الشمس المشرقة الأسطوري، بالتلازم مع ضمان تدفق المعونات والمنح لقطاعات واسعة من الشعب تعيش تحت خط الفقر.
وبهذا النموذج التفاوضي يتأكد أن هذا النظام ليس بالهوس وعدم الرشد واللاعقلانية التي رماه بها الكثيرون. نفهم ذلك من توقفه عن النقطة الحرجة من مشروعه.. النقطة التي أوصل فيها، من ناحية، رسالة قوية عن حدود طاقته على استيعاب أرقي تقنيات العصر في سياق أكثر الضغوط والتحديات الخارجية قوة وأدني الموارد الداخلية محدودية. وأدرك عندها، من ناحية أخرى، الثمن الباهظ جداً المطلوب لأجل صيانة مكتسباته النووية العتيدة في ظل قطيعة اقتصادية وسباق تسلح سوف يفرضا عليه بكل قسوة.
لا نعتقد أن بيونج يانج طوت مشروعها خشية للتهديدات العسكرية الاميركية، فهي تعلم بأن لهذا الخيار حدوداً وتوابع تحول دون واشنطن وتفعيله، بالنظر إلى خريطة التحالفات الكورية الشمالية مع كل من الصين وروسيا والتورط الأميركي في العراق وأفغانستان والمناكفات الايرانية .. بيت القصيد في القرار الكوري يتعلق بالعبء الاقتصادي الضخم الذي سيترتب على استمرار هذا المشروع .
لقد أدركت بيونج يانج بأن استحواذها على السلاح النووي تم بتضحيات كبيرة، لكن الاحتفاظ بهذه الحيازة قد يستلزم تضحيات أكبر. وكان عليها والأمر كذلك أن تختار أوفق السبل للنزول عن شجرة النووي بأقل الخسائر وأكبر المنافع في الحال والاستقبال.
المثل الكوري الشمالي يستحضر للخاطر بعض أهم حقائق بناء القوة والمكانة في العلاقات الإقليمية والدولية. فالقوة الحقيقية للدول، تقوم على ضفيرة سميكة ومعقدة من المحددات والعناصر والأنساق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعملية والثقافية والمعنوية..والأصل أن تكون الجوانب العسكرية أحد تجليات هذه الضفيرة، بحيث تشكل رأساً بحجم معقول على جسد قوي البنيان.
و أي وضعية معاكسة لهذه الصورة، المعادلة، لاتستقيم طويلاً وتنذر بالتصدع والانهيار في وقت أو آخر. وكانت كوريا الشمالية مرشحة دائماً للوقوع في إسار هذه القاعدة الصارمة. لنتذكر في المقام حجم الإشفاق والاستهجان من مشاغبات بيونج يانج وإصرارها على مشروعها المكلف جداً ضد خصوم أقوياء وأغنياء، فيما هي تنتظر منهم الدعم والغوث المالي والاقتصادي لاطعام ملايين الجياع عندها!. وكثيراً ما قيل في ذلك أن كوريا الشمالية رأس كبير يقوم على جسد هزيل، وهذا مخالف للمنطق ومن المستحيل أن يدوم طويلاً.
لقد قيل بكلمات أخرى إن بلداً فقيرا مدينا شحيح الموارد، لا يستطيع الوفاء بحاجات أبنائه الأساسية بما فيها رغيف الخبز، لا يمكنه الصمود الأبدي اطمئنانا إلى رادعه النووي. فإذا تمنع وأبى إلا المكابرة، فذلك لن يكون إلا على حساب بقية أعضاء جسده. ويقيناً كان مفاوضو بيونج يانج الستة على دراية واسعة بهذه الوضعية البائسة التي سبق لها أن قوضت مكانات دول أشد قوة وأعز جاهاً من كوريا الشمالية. الاتحاد السوفييتي مثل صارخ في هذا السياق.
فهذا العملاق الذى أفل، لم يشتك من قلة القنابل النووية والصواريخ العابرة للقارات وإنما انثنى عزمه وانفرط عقده بفعل استنزاف معامل القوة العسكرية وسباق التسلح لموارده. وهناك من يلمح إلى إن الولايات المتحدة ذاتها ليست بمنأى عن مصير مؤلم، إذا لم تتنبه للتوازن بين انتشارها وأعبائها العسكرية وبين مواردها الذاتية.كذلك فان باكستان استحوذت الرادع النووي وهي تملك موارد أكبر بكثير نسبيا مما يتوفر لكوريا الشمالية لكنها لم تصبح قوة عظمي لاترد كلمتها.
النووي وحده لا يكفي للمزاحمة على قمة المكانات الإقليمية والدولية، ولا يضمن عيشاً رغداً لشعوب الدول الذي تمتلكه، وقد لا يوفر حد الأمن الأقصى لبعض هذه الدول. إذ لم يكف الفلسطينيون عن منازلة إسرائيل، وخاض العرب أكبر حروبهم معها، وهم على يقين من وجود قنابلها وصواريخها النووية داخل الأقبية وخارجها.. فلا تلام بيونج يانج اذا ما توصلت أخيراً إلى هذه القناعات وأقدمت على خيارها المرن.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
mohamedalazzar@hotmail.com