ان تسكين الوضع المتفجر في فلسطين انجاز مهم لا ريب، حققه اتفاق مكة، لكننا نتطلع إلى توظيف ذلك التسكين لصالح تحقيق السلم الأهلي، الذي يحشد قوى الشعب الفلسطيني لصالح مواجهة الاحتلال الوحشي الذي يرزح تحته.
أما وقد أصبح الاتفاق حقيقة واقعة، وقد أنجز الهدف الأول والرئيس منه بوقف الاحتراب الداخلي، وحالة الاحتقان والتعبئة والتحريض التي من الممكن أن تقود لأكثر من احتراب وصراع على السلطة والمصالح والمنافع، فإن الانتقال إلى تحقيق الأهداف الأخرى.
والتي لا تقل أهمية عن وقف النزيف الداخلي، وهي فك العزلة السياسية والحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني وقضيته، وليس حكومته فقط، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وتصويب التعاطي معها كقضية حرية واستقلال، وليس كقضية إغاثة إنسانية.
هناك أطراف حريصة على نسف كل اتفاق يتم التوصل إليه، سواء لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أو لتحقيق السلم الأهلي في الأراضي المحتلة. وبدا واضحاً أن الهدف من عمليات التفجير هو عرقلة الاتفاق، وتأكيد فشل المفاوضات في تشكيل حكومة وحدة وطنية.
اللعبة الأميركية الإسرائيلية واضحة وانتهازية إلى أبعد الحدود، فهي تدرك صعوبة وقوفها ضد اتفاق مكة، إذ لا تريد إزعاج النظام العربي الرسمي، وتدرك صعوبة التغلب على حركة حماس أو إسقاطها، ضمن هذا التوازن تتلمس الولايات المتحدة خطاها، فهي ستعمل على فك التحالف بين حماس وفتح، وفي ذات الوقت ستطالب علنيا حكومة الوحدة الإيفاء، بالتزاماتها السياسية والأمنية ضد المقاومة.
وربما ستمارس لعبة المقاطعة ضد حماس والمعانقة مع حركة فتح، حتى تزيد الشرخ وتؤلب حماس على فتح والعكس صحيح، وما ينطبق على العلاقة السياسية سينعكس على العلاقة الاقتصادية، حيث سيجري السماح بلقاءات وآفاق سياسية مالية لوزارات، ويرفض التعاطي مع وزارات أخرى ..
أن اتفاق مكة ما زال محل اختبار من جانب القوى الدولية، وهو ما يفتح الباب للإسرائيليين لمحاولة إفشال الطرف الفلسطيني في هذا الاختبار سواء من خلال كمين القدس أو من خلال الجهود الدبلوماسية، مثلما فعلت وزيرة الخارجية الإسرائيلية في ميونيخ، عندما طالبت المجتمع الدولي بالانتباه إلى خطورة الاعتراف بحكومة تقودها حماس التي لا تزال ترفض الاعتراف بإسرائيل.
فالمشكلة بين حركة فتح وحماس لم تكن أبداً حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، بقدر ما تكمن أصلاً في المشروع السياسي لكل منهما، وتتركز حول الموقف من المقاومة بشكل اخص. يجب الان الإسراع في إعادة تصويب ما جرى في مكة والعودة لمائدة الحوار الوطني الشامل لترسيم الاتفاق السياسي على قاعدة ما اتفق عليه في وثيقة الوفاق الوطني، لتشكيل حكومة ائتلاف وطني حقيقية تشارك فيها كافة ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وإنهاء مبدأ المحاصصة الثنائية، حتى لا تستفحل في الحياة السياسية الفلسطينية.
الشعب مازال أمامه هم اكبر من الخلاف السياسي فيما بينهم. هناك هم اكبر اسمه العدوان الإسرائيلي المستمر، هناك هم اكبر اسمه تهويد للقدس التي تعد ثالث رمز من رموز العالم الإسلامي. اتفاق مكة صيغ تحت ضغط الفتنة الداخلية وهو خطوة في طريق الوحدة الفلسطينية، ولكنه بلا شك يفتقد للآليات الداخلية المانعة والسياسات الدولية الضامنة، لذا فعوامل الخوف أكبر من بواعث الأمل، ولكن يبقى التحدي الاحتلالي والرد المقاوم، عامل تحفيز في بقاء القضية الفلسطينية حية متجددة، وتذكير العالم بقضاياها المركزية.
المطلوب إذن ألا يقع الفلسطينيون في أي كمين بدءاً من كمين الحفريات بالقدس، وانتهاءً بكمين شروط الرباعية، اتفاق مكة بين فتح وحماس له أهمية استراتيجية وتاريخية متعددة الأبعاد: فلسطينيا، وإقليميا، ودولياً.سيما وانه نجح في قطع الطريق على الحرب الأهلية التي لم تتجمع نذرها وتتأكد احتمالاتها في أية مرحلة سابقة كما تجمعت وتأكدت قبيل توقيع الاتفاق. فإسرائيل لن يغمض جفنها حتى تنجح في إفشال الاتفاق مادام يناقض مصالحها في المنطقة.
لذلك فإن تحرير الأقصى لا يمكن أن ينحصر في تحريره من جرّافة عابرة، ولا من حفريات راهنة، ولا من مخططات عينية. فحتى لو تحرر منها في حين تبقى القدس الشرقية، فضاؤه الوطني، تحت الاحتلال الإسرائيلي، سيظلّ منتهكا. لذلك فإن تحرير الأقصى هو جزء من التحرير الوطني الفلسطيني للقدس الشرقية من الاحتلال.
وحتى لا نعطي مزيداً من المبررات للأطراف المترددة أو الرافضة لعدم التعاطي معه، يتطلب الأمر الإسراع باتخاذ الإجراءات الدستورية لتشكيل الحكومة التي قطعت شوطاً على طريق التشكيل في أساس الاتفاق، لأنه كلما تأخر الوقت ازدادت الشروح والتفسيرات وزادت الخلافات الداخلية، وقد تعيد الوضع إلى نقطة الصفر مجدداً.
benhadnal@yahoo.fr