يخطئ من يعتقد أن هناك مجتمعات أو شعوباً لا تتحدث في السياسة طيلة الوقت، حتى المجتمعات المتخمة بالرفاهية تتحدث في السياسة، ناهيك عن مجتمعات الفقر والعوز والمناوشات الداخلية.. الفرق بين الذين يتحدثون في السياسة في لبنان مثلاً، وبين الذين يتحدثون في السياسة في الإمارات لا يكمن في مستوى الوعي والثقافة، ولكن في نوعية السياسة التي يتداولونها.
سياسة اللبناني تطال كل شيء، فهو ينام على أخبار المعارضة، ويصحو على أخبار الموالاة، وبين الاثنين حدث ولا حرج من كل الأنواع، أسعار البنزين، إضرابات العمال، مناوشات الجنوب، قوات اليونيفيل، تقليعات وليد جنبلاط، خطابات نصر الله، تحالفات أقطاب السلطة، سفريات الحريري المكوكية بين السعودية وباريس، ارتفاع الأسعار واختناق الناس من وطأة الحالة الاقتصادية..
انتهاء بحركة سياسية جديدة أسسها عشرة شباب لبنانيين رداً على تيار 8 آذار (المعارضة) و14 آذار (الموالاة) تعرف بحركة 11 آذار أو حركة حلّوها، وخلاصتها إما أن تحلّوا الأزمة أو تحلوا الحكومة وتخلصونا» وعندما يطالع الإنسان أوضاع اللبناني المخنوق في لبنان الأخضر الذي ما عاد أخضر بفضل السياسة والسياسيين، يحمد الله ألف مرة على حديثه السياسي البسيط ولا يعود يرغب بالأكثر.
في الإمارات يتحدث الناس في السياسة أيضاً، ولكن على طريقتهم، فحكايات الناس التي تمتلئ بها برامج البث المباشر صباحاً هي شكل آخر للسياسة، الشكاوى من تأخير المعاملات سياسة، الشكوى من بيروقراطية برامج الإسكان سياسة، انتقاد أنظمة المرور والزحام وآليات القروض البنكية سياسة، التذمر من مستوى الخدمات الصحية والتعليم و... وغيرها ليس سوى سياسة!!
كان أحد أساتذة العلوم السياسية، يقول لنا عندما كنا طلاباً في الجامعة، إن السياسة هي التي تحدد لنا شكل الرغيف الذي نأكله والبلد الذي نستورد منه الأرز طعامنا الرئيسي، والعمر الذي نتزوج فيه، وأحياناً شكل الزوج أو الزوجة، فحين تكون الأوضاع السياسية مستقرة وينمو الاقتصاد وتعم الرفاهية يصير رغيف الخبز كبيراً وصحياً، وحين تنقطع علاقتنا مع دولة ما تصدر لنا الأرز فقد لا نأكل هذا الطعام أبداً.
وحين تمنح الدولة شبابها منحاً مجزية للزواج وفي وقتها المناسب دون تأخير فإن الشباب سيتزوجون سريعاً دون شكاوى، وحين تتضاعف علاوات الأبناء ستزيد أعداد المواليد، وربما استطعنا بذلك التغلب على معضلة التركيبة السكانية فقط لو أن السياسة تتدخل بالحد من استقدام الأجانب الذين يأتون زواراً وينتهون مقيمين إلى الأبد بسبب رفاهية السياسة عندنا.