في فلسطين هناك دائماً وفي كل صباح فلسطينيون مسجلون على قائمة القتل اليومي، على يد القوات الإسرائيلية. وفي لبنان هناك دائماً وفي كل صباح أبرياء يسجلون على قائمة الموت المفاجئ في الحقول والطرقات المزروعة بالقنابل والألغام الإسرائيلية في أرض الجنوب، أما في العراق فالكارثة أكبر بكثير، وبما لا يتخيله العقل.

في العراق القتل أنواع وأشكال، والتهجير أنواع وأشكال، والمطاردة والاختطاف والخوف والحرمان والفقر والعوز، والإذلال والاعتقال، والاجتثاث وأكثر من هذا كله، في العراق كارثة بكل المقاييس يشارك فيها الجميع، فالكل يقتل في العراق، ومن الخطأ الاعتقاد بأن هناك طرفا واحدا يقتل وأناسا معينين معنيون بالقتل، الكل يقتل الكل في العراق والضحايا بالمئات، وليس كما هو معلن رسمياً على الفضائيات، القتلى ليسوا شيعة فقط ولا سنة فقط الجميع على قائمة الانتظار هناك.

حدثني أحد الأخوة العراقيين ممن يشتغل في مجال المسرح، وقد قدم حديثاً من العراق، عن كارثية الوضع العراقي، وعن مأساوية ما يحدث في بغداد متسائلاً: لماذا بغداد بالذات؟ لم أجبه لأنني أعتقد بأن السؤال هو: لماذا العراق بالذات؟ فالعراق كله مختطف ومحتل ومنتهك، وإذا ما أردنا أن نكون أكثر صدقاً مع أنفسنا قلنا ان الوطن كله محتل والأمة كلها منتهكة، وردود أفعالنا مخزية كأمة ومخجلة كأوطان!!

كان العراق محاصرا بنظام ديكتاتوري وحاكم مستبد لا يختلف كثيراً عن كثير من أنظمة العالم العربي، ومع ذلك فقد تم اختيار العراق، القضية لم تكن حسبة أخلاقية مست أخلاق أميركا الديمقراطية، القضية حسبة تاريخية، اقتصادية، سياسية، تقاطعت مع مصالح الأميركيين الذاهبين حثيثاً نحو مشروع إمبراطوريتهم الكبرى والشرق الأوسط قد فصلوه وقسموه ورتبوه وفق مصالح هذه الإمبراطورية، ولا كلام آخر.

ما من عراقي يخرج من بيته في بغداد إلا ويقرأ الشهادة والفاتحة ثم يخرج موصياً أبناءه «أوصيكم بالعراق خيراً» فإذا أقبل المساء، ربما ذلك الذي خرج صباحاً قد يتحول إلى ركام ضمن جثث طيرتها سيارة مفخخة في شارع أو سوق من أسواق بغداد، فلا تعرف هوية القتلى، ولا يعرف الجناة، ويسجل الحادث ـ هذا إذا سجل ـ ضد مجهول!! فكم مجهول في بغداد قتل آلاف المجهولين هناك؟

من يقتل من في العراق؟ لم يعد صدام موجوداً، ولا نظام حكمه الفاشي، ولا مقابره الجماعية، فمن تولى المهمة اليوم؟ العراقيون يؤكدون بأن الأميركيين يقتلون، والحكومة تقتل، وجيش المهدي يقتل، والموساد الإسرائيلي يقتل، والمخابرات الأميركية (السي آي ايه) تقتل، وبقايا البعث يقتل، وإيران والقاعدة، لكن المقاومة الشريفة تقاتل لكنها لا تقتل العراقيين مطلقاً!!

sultan@dmi.gov.ae