بعد أسبوع على توقيع ما بات يعرف باتفاقية مكة بين حركتي حماس وفتح في الثامن من فبراير الجاري، وبعد اتصالات سريعة أدت إلى تراجع رئيس الحكومة إسماعيل هنية عن شروط ثلاثة كان علق استقالة حكومته بتحقيقها، جرى لقاء في غزة منتصف هذا الشهر بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة، قدم على أثره الأخير استقالة حكومته، وتسلم خطاب تكليفه مجدداً بتشكيل حكومة جديدة.

خطاب التكليف الذي يتضمن بصورة مكثفة المبادئ السياسية التي ستلتزم بها الحكومة وينص على الالتزام بقرارات المجالس الوطنية وقرارات منظمة التحرير والشرعيات العربية والدولية، ويسجل احترام الحكومة للالتزامات والاتفاقيات التي تم توقيعها، هذا الخطاب جرى إعداده والاتفاق عليه في مكة، وربما كان القضية الأهم التي جرى حسمها بالنسبة للعنوان الأبرز في الاتفاق وهو تشكيل حكومة وحدة وطنية.

نحو ستة أسطر مطبوعة، يتكون منها خطاب التكليف، تؤشر إلى تحول سياسي كبير في برنامج وسياسات حركة حماس التي عرفت بتبنيها برنامج المقاومة، ومناهضة المفاوضات والحل السياسي واتفاقيات أوسلو التي قامت السلطة الوطنية على أساسها وبموجبها.

على أن التحول الكبير لا يتوقف عند هذه النقطة على أهميتها وأولويتها، بل ان القضية السياسية والاتفاق على الحكومة، ما كان يمكن أن ينهيا الصراع بين الحركتين الكبيرتين لولا أن البحث في مكة تناول بصورة شاملة مفاصل أخرى مهمة وتتصل بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بما يجعله أقدر على استيعاب المستجدات في ميزان القوى الداخلي.

في مكة جرى الاتفاق على تشكيل ثلاث لجان، الأولى وقد أنجزت مهمتها بشأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية سواء من حيث البرنامج السياسي (خطاب التكليف) أو من حيث توزيع الحقائب والاتفاق على كيفية معالجة الخلاف حول الحقائب السيادية.

اللجنتان الأخريان، اللتان تشكلتا وتمت تسمية عضويتهما من قبل الطرفين، مع إتاحة الفرصة لانضمام أعضاء آخرين لكل منهما سواء من الفصائل الأخرى أو المستقلين، هما لجنة الشراكة السياسية، ولجنة إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية.

وقد اكتفى أعضاء اللجنتين بوضع المبادئ العامة لعملهما والآليات، وحيث ستتم متابعة الحوار بشأنهما في الأراضي المحتلة. أما العنوان الرابع الذي تم التعرض إليه وهو يتعلق بإجراء مصالحة وطنية وتوافق. فقد تم الاتفاق على أن يعهد للرئاسة بالتعاون مع الحكومة لتولي الأمر.

وإزاء ذلك اتخذ الرئيس محمود عباس يوم الجمعة السادس عشر من فبراير الجاري قراراً باعتبار ضحايا أحداث العنف الداخلي والجرحى شهداء وضحايا الواجب الوطني، كما أمر بتشكيل لجنة لتقييم الأضرار وتقديم التعويضات وذلك كمدخل لخطوات أخرى لاحقة من أجل إتمام المصالحة الوطنية، وحتى لا يبقى عامل الثأر والانتقام عاملاً مهدداً للاستقرار الداخلي.

من الواضح أن الإطار الذي جرى مناقشته في مكة يشير إلى إمكانية توافق الحركتين وإعادة تقسيم النفوذ والمصالح في إطار المنظمة والسلطة، بما يرشح إمكانية استمرار وتطوير صيغة الشراكة ما لم تنشأ عوامل وظروف قوية تهدد هذه العملية وهو أمر وارد وممكن، مما يجعل نسبة التفاؤل مساوية لنسبة التشاؤم.

وبالإضافة إلى ما تمثله السعودية من ثقل مادي ومعنوي وضمانة ساهمت في استجابة الطرفين للدعوة، ولإنجاح الحوار والتوصل إلى اتفاق فإن ما جرى في مكة يتجاوز الحوارات السابقة، من حيث شموليته، وبما يضمن تحقيق مصالح الطرفين.

لقد كان من غير الممكن أن تؤدي الحوارات السابقة إلى اتفاق طالما أنها في الغالب كانت تركز وتستهدف وقف الاقتتال، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، ذلك أن حصر الحوار في هذين العنوانين يعني أنه سيترتب على حماس أن تقدم الكثير وأن تحصل على القليل.

هذا يعني أن المساومات السابقة لم تكن عادلة، وبالتالي لم تكن مقبولة من حركة حماس التي تبدي استعداداً لتقديم تنازلات خصوصاً في السياسة مقابل أن تحصل على ما يعزز دورها في الحكم وفي القيادة، وعلى سلطة اتخاذ القرار والخيار. ثمة ما يدعو للاعتقاد أن اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية سيخدم لبعض الوقت ذلك أن الدوافع التي أدت بالطرفين للذهاب إلى مكة وهما يدركان سلفاً أنهما لا يملكان سوى خيار الاتفاق؛ هذه الدوافع ما تزال باقية وفعالة.

الطرفان فتح وحماس بحاجة إلى بعض الوقت لإعادة ترتيب أوضاعهما الداخلية والتكيف مع استحقاقات الاتفاق سواء بالمعنى السياسي، أو فيما يتصل بالقضايا الأخرى التي عالجها حوار مكة، وعلى كل حال لا تستطيع إحداهما التراجع عن الالتزامات التي قطعتها على نفسها وقيدتها الأخرى في الوقت ذاته.

فضلاً عن ذلك فإنه سيترتب على الطرفين إعطاء السعودية والنظام الرسمي العربي الذي أيد الاتفاق ورحب به، فرصة كافية لتسويقه دولياً، ولاستخدام كل ما يتوفر من نفوذ وقوة على العمل لتذليل الصعوبات، خصوصاً التي تتصل بالموقف الأميركي إزاء رفع الحصار باعتبار ذلك أحد أبرز دوافع وأهداف اتفاق مكة ومن أهم العوامل التي ساهمت في نجاح المسعى السعودي حيث فشل الآخرون.

وبالرغم من كثرة وصعوبة بل تعقيدات الملفات الداخلية التي تنتظر الحكومة الفلسطينية الجديدة وأولها قدرتها على إقناع الفصائل الأخرى بالانضمام إليها، بما يجعلها حكومة وحدة وطنية وليس حكومة حماس وفتح، فإن العامل الدولي قد يتحمل السبب الأساسي في استمرار الاتفاق والحكومة التي تنبثق عنه، أو انهياره وانهيارها معه.

حتى الآن لا شيء يوحي بأن الرباعية الدولية ستتخذ موقفاً يؤدي إلى رفع الحصار فوراً عن الشعب الفلسطيني، أو الاعتراف بالحكومة الفلسطينية وقبول التعامل معها، ما لم ترضخ للشروط الدولية والإسرائيلية، وهو أمر مستبعد تماماً في المدى القريب.

المعضلة الحقيقية تكمن في الموقف الأميركي الذي أظهر اضطراباً وتناقضاً يميل إلى السلبية، وهو ما عادت وشددت عليه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس قبل وبعد لقاء القمة الثلاثية التي جمعتها في القدس يوم التاسع عشر من هذا الشهر مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود أولمرت، حيث أعلنت أن بلادها تنتظر تشكيل الحكومة الفلسطينية ولتقف على مدى التزامها بشروط الرباعية قبل أن تقرر موقفاً واضحاً.

ومن الواضح أن هذا الموقف الأميركي المتأثر بالموقف الإسرائيلي الذي يواصل تحريض المجتمع الدولي بعدم رفع الحصار عن الحكومة الجديدة، هذا الموقف من شأنه أن يؤثر سلباً على الموقف الأوروبي الذي عبر عنه وزير الخارجية الإيطالية ماسيمو داليما، حين قال إن معظم دول الاتحاد مستعدة للاعتراف بالحكومة الفلسطينية الجديدة وكذلك بالنسبة لموقف روسيا الاتحادية الذي جاء مرحباً باتفاق مكة وداعياً لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.

وفي الواقع فإن القمة الثلاثية في القدس، التي انتهت بعد نحو ساعة من انعقادها، ولم يصدر عنها سوى تصريح مقتضب للوزيرة الأميركية، هذه القمة لم تفتح آفاقاً أمام العملية السياسية، ولم تكتف بالتفويض الذي حصل عليه الرئيس عباس من خلال اتفاق مكة لمتابعة المفاوضات،

وإنما رهنت ذلك باستجابة الحكومة لشروط الرباعية. بمعنى آخر القمة الثلاثية وإن كانت أشارت إلى اتفاق الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على رؤية الدولتين، وأشارت إلى حاجة ورغبة الطرفين في متابعة المفاوضات ربما السرية، والالتزام بخارطة الطريق، فإنها رغم ذلك تكون أقفلت الطريق أمام العملية السياسية في ظل استمرار الحصار الاقتصادي والمالي على الفلسطينيين.

وتشير خلاصة الموقف والفعل الأميركي إلى أن الإدارة الحالية لا تملك مشروعاً للسلام وأنها تقوم بحملة علاقات عامة قوية تستهدف استمرار التركيز على الملف العراقي الذي يحظى بالأولوية، ويستحق حصولها على تأييد العرب لها إزاءه، إبداء حركة ظاهرة توحي بأنها تستجيب للرغبة العربية الجامعة بضرورة أن تبذل واشنطن جهداً جدياً وأساسياً لمعالجة جوهر الصراع في الشرق الأوسط.

فقبل القمة الثلاثية بساعات قليلة كانت رايس قد صرحت بأنها ليست متأكدة ما إذا كان بالإمكان تحقيق رؤية الدولتين خلال ما تبقى من عمر الإدارة الأميركية الحالية، مما يعني أن الاتصالات والجهود التي ستبذل في هذا الإطار ستظل ضمن دائرة إدارة الأزمة وليس حلها، بخلاف ما صرح به في وقت سابق، المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافيير سولانا الذي قال لقد حان الوقت للانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى حلها.

يستدعي ذلك إصرار الفلسطينيين على إنجاح الاتفاق، والإخلاص في تنفيذه وفي الوقت ذاته تعزيز تعاونهم مع السعودية ضامنة الاتفاق ومع العرب المؤيدين له، للقيام بتحرك سياسي ودبلوماسي نشط من أجل تغيير المناخ الدولي بما يؤدي إلى رفع الحصار، ودفع المسيرة السلمية، حتى وإن تعاكس ذلك مع الرغبة الأميركية ولكن بدون تجاهلها مسبقاً.

كاتب فلسطيني