بدأ المرشحون لمنصب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية سباقهم إلى البيت الأبيض، الذي يتطلب أن يخوض المرشح معركته الأولى داخل حزبه ليحظى بترشيح الحزب ثم ينطلق بعد ذلك لخوضها ضد المرشح أو المرشحين الآخرين في معركة ماراثونية تدوم ما يقارب السنتين بين انتخابات تمهيدية وأخرى نهائية،
وقد أعلن أكثر من مرشح ديمقراطي عن طموحه بالترشيح للرئاسة وأخذوا يحضرون الندوات والمؤتمرات التي يشرحون فيها برامجهم ويكسبون ود ناخبي حزبهم تمهيداً لكسب ود الناخبين الأميركيين كافة. ويندرج على رأس هؤلاء اسم السيناتور هيلاري كلينتون التي بادرت منذ مطلع العام الحالي لإعلان رغبتها بالترشح لمنصب الرئيس وبدأت نشاطها بالمشاركة في احتفالية أقامتها منظمة (إيباك) اليهودية التي تعتبر وسيلة الضغط الإسرائيلية الرئيسية في الولايات المتحدة الأميركية.
وكما هي العادة سيتبعها مرشحون آخرون ديمقراطيون وجمهوريون يشاركون في احتفاليات (إيباك) ويتملقون إسرائيل بدون تحفظ. وسيركز هؤلاء المرشحون في كلماتهم كما كان الأمر دائماً على دعمهم لوجود إسرائيل واعتبار أمنها من أمن الولايات المتحدة نفسها، وحمايتها من المتربصين بها خاصة أولئك (الإرهابيون الذين يعملون لتدمير إسرائيل) ويبررون هذا الدعم بأن إسرائيل (منارة الديمقراطية في المنطقة)
كما أشارت السيدة كلينتون في أول خطاب لها، وهذا الوصف أي (منارة الديمقراطية) أو (الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة) أو (بلد الديمقراطية التي يحاول العرب تدميرها) هو ما سمعناه من المرشحين الديمقراطيين والجمهوريين منذ قيام إسرائيل حتى عصرنا الحاضر.
ليقل المرشحون الطامحون بالرئاسة الأميركية كل ما يريدون فهذا حقهم هو وكل موقف انتهازي تفيض به ألسنتهم، ولكن من حقنا نحن العرب ومن حق الناخب الأميركي أيضاً أن يعرف الحقيقة، ويسلم من تزوير الوعي الذي مارسه مرشحوه، ومن حق البشر جميعاً أن لا يدخلهم المرشحون الأميركيون في أتون وعي مزور وبحر من الأكاذيب خاصة وأنه سيتم اختيار رئيس منهم سيكون لسياسته تأثيراً على السلم وعلى الاستقرار والازدهار والعدالة في العالم كله.
وهنا نتساءل هل إسرائيل هي (واحة الديمقراطية) و(منارة الديمقراطية في المنطقة) وكيف تتبدى مكوناتها وسلوكها وآلية عملها كدولة سواء داخل الخط الأخضر تجاه مواطنيها أم خارجه تجاه البلدان العربية المجاورة أم حتى في السياسة العالمية والقرارات الدولية التي كانت إسرائيل منذ تأسيسها منحازة لما هو عنصري وضد الشعوب ومصالحها وضد السلم والتعايش والعدل ولم تخطئ سياستها مرة واحدة وتكون غير ذلك.
إن الديمقراطية من المفاهيم (والقيم) التي لازمت الدولة الحديثة شأنها شأن المساواة والحرية والعدالة وتكافؤ الفرص، وقبل ذلك وبعده الاعتراف بمرجعية المواطنة كمرجعية وحيدة، فهل أخذت الديمقراطية في إسرائيل أبعادها واحترمت أسسها وخاصة تجاه العرب الذين يعيشون داخل الخط الأخضر والذين يعتبرون مواطنين إسرائيليين؟
خاصة وأن نسبة عددهم تبلغ (20%) من سكان إسرائيل، وحسب القوانين الإسرائيلية الأساسية فإنهم مواطنون كاملي المواطنة متساوون مع غيرهم من المواطنين اليهود، وأي خلل في تطبيق هذه القوانين وقواعدها إنما هو عمل معاد للديمقراطية. فكيف تطبق الديمقراطية الإسرائيلية على خمس مواطنيها؟
لا يستطيع أكثر المغالين الزعم بأن حق العرب في تكافؤ الفرص هو حق محترم في إسرائيل، لأن حقوقهم الشخصية غير مصونة مثل غيرهم من (مواطني الدولة اليهود) كحقهم في التعليم والصحة والعمل وخاصة في مؤسسات الدولة والقطاع العام، وتشكيل مؤسسات المجتمع المدني والحصول على مساعدات لها من الدولة متكافئة مع مثيلاتها لدى المجتمع اليهودي، ولا تستخدم لغتهم التي يعتبرها القانون لغة رسمية ثانية في الدولة إلا على شاخصات الطرق،
وعندما طالب أحد أعضاء الكنيست العرب استخدام العربية كترجمة فورية ـ كما ينص القانون ـ قامت الدنيا ولم تقعد، وفي الوقت نفسه تصادر أراضيهم الزراعية تحت مبرر الاحتياجات الأمنية (التي تطاول أراضيهم وحدهم دائماً) ولا تُصدّق مخططات بلداتهم ومدنهم مما يمنع عليهم بناء بيوت جديدة ويلزم الأجداد والأبناء والأحفاد على التكدس في منزل واحد، ولا تعترف الديمقراطية الإسرائيلية بعشرات قرى النقب العربية فيرّحل سكانها بين حين وآخر،
والأنكى أن بعض الأراضي والمساكن تعتبر أملاك غائبين مع أن أصحابها يعيشون في نفس البلدة أو المدينة أو في بلدة مجاورة لأنهم يوم الإحصاء قبل عشرات السنين كانوا خارج أملاكهم، ولا يحق لهم الآن استعمالها أو استثمارها بل تؤجر لمهاجرين يهوداً وأصحابها بجانبها يحرقهم الظلم، وقبل ذلك كله فليس المواطنة هي المرجعية الوحيدة الأساسية في إسرائيل، لأن المواطن اليهودي شيء والمواطن العربي شيء آخر،
وبالتالي فلا مساواة ولا عدالة ولا تكافؤ فرص ولا احترام للثقافة والحقوق العربية ولا مشاركة جدية في إدارة شؤون الدولة، فالسكان العرب لا يشتركون في الحكومة (باستثناء وزير وحيد عين الشهر الماضي وزيراً بلا وزارة) ولا في قيادة المؤسسات الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها، فأين هي الديمقراطية إذن؟
وعلى أي أسس يطلق المرشحون الأميركيون على إسرائيل بأنها واحة الديمقراطية أو منارتها؟ لقد أعمتهم مصالحهم الذاتية وربما جهلهم أو صلفهم أو عداءهم التقليدي للعرب أو عنصريتهم عن رؤية ما يجري داخل إسرائيل من صنوف العنصرية واضطهاد العرب وعدم مساواتهم وحرمانهم من حقوقهم.
من جانب آخر ولأن الديمقراطية لا تتجزأ بين الداخل والخارج، فكيف تكون إسرائيل ديمقراطية وهي تحتل أراضي في عدة بلدان عربية بدون حق، وتشن اعتداءاتها هنا وهناك بكل وحشية، وترهب شعوب المنطقة القريبة والبعيدة، وتبني سوراً عنصرياً في الأراضي الفلسطينية، وتلقي عشرة آلاف فلسطيني في سجونها معظمهم دون محاكمة رغم أنهم اعتقلوا منذ عدة سنوات، فهل يستوي الحديث عن ديمقراطية إسرائيل مع ممارساتها الوحشية هذه؟.
هذا ناهيك عن أن (النظام الديمقراطي الإسرائيلي) كان دائماً ضد قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحرية الشعوب (بما فيها غير العربية) مؤيداً للاستعمار والعنصرية (كلنا يتذكر علاقاتها مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا) وغير ذلك، فكيف تكون ديمقراطية وتمارس أشد أنواع العداء للحرية والتحرر والمساواة والعدالة؟. يبدو أن مساعدات (إيباك) والمنتسبين إليها، المادية والمعنوية، التي تقدمها للمرشحين للرئاسة الأميركية تغلق عقولهم وتعمي عيونهم وتربط ألسنتهم (صم بكم عمي فهم لا يعقلون).
كاتب سوري