بعد تصاعد حدة التصريحات بين موسكو وواشنطن بسبب قرار نشر منظومة الدفاع الأميركية المضادة للصواريخ بالقرب من الحدود الروسية، وبعد خطاب الرئيس الروسي بوتين في مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ، تردد الحديث في موسكو حول عقيدة عسكرية جديدة تتعامل مع الظروف الراهنة، وطالب البرلمان الروسي قادة الجيش بوضع معالم وخطوط هذه العقيدة بسرعة توقعا لتدهور الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بالتحديد، مع تزايد الاحتمالات بتوجيه ضربة عسكرية لإيران في حالة تأكيد أو تشديد مجلس الأمن للعقوبات القائمة بموجب القرار 1737 .

وظهرت معالم العقيدة الجديدة في تصريحات قائد أركان الجيش الروسي الجنرال باليوفسكي الذي أمر بإعادة نصب 17 صاروخاً استراتيجياً بعيد المدى في اتجاه الغرب، معلنا بأن روسيا ستعلن انسحابها من جانب واحد من كافة المعاهدات الخاصة بالحد من انتشار الأسلحة الإستراتيجية وربط الجنرال باليوفسكي الإعلان عن الانسحاب من هذه المعاهدات بتوقيت بدء تنفيذ البنتاجون نشر أنظمة الدفاع الصاروخية.

والواقع أن المعاهدات مع واشنطن بشأن الحد من الأسلحة الإستراتيجية لا مبرر لاستمرار روسيا فيها لأنها أصبحت من أثار الماضي ومن زمن الحرب الباردة السابقة عندما كانت روسيا وأميركا فقط هما اللتان تملكان هذه الأسلحة، أما الآن فهناك العديد من الدول تملك هذه الأسلحة، بينما روسيا تواجه وحدها تهديدات جديدة تستلزم منها تطوير هذه الأسلحة وليس تدميرها.

كما أن انسحاب روسيا من هذه المعاهدات لا يعني فقط حق روسيا في اقتناء أي عدد من هذه الأسلحة الإستراتيجية وتطويرها بل يعني أيضا أن روسيا من حقها أن تبيع هذه الأسلحة أو تعطيها لأي جهة أخرى أو تزرعها على أراضي أية دولة حليفة لها، وهو ما كانت تحظره هذه المعاهدات وكانت تتمسك به واشنطن دائما مع دول مثل إيران وسوريا وفنزويلا، أما بعد الانسحاب فلن يكون لها الحق أن تتمسك بها .

تضمنت العقيدة العسكرية الروسية الجديدة أيضا السماح لروسيا بأن توجه ضربات استباقية بشتى أنواع الأسلحة بما فيها السلاح النووي لأية جهات تمثل تهديدا عسكريا مباشرا وفعليا لروسيا، وبالتالي يصبح على الدول التي ستوافق على نشر أنظمة الدفاع الصاروخية الأميركية على أراضيها أن تتحمل المسؤولية الكاملة عن ذلك ولها أن تخاف وتقلق لأقصى درجة على أمنها، البنتاجون الأميركي الذي أصابه القلق من ردود الفعل الروسية أراد أن يهدئ من حدة الموقف فأصدر تصريحا بعد خطاب الرئيس بوتين في ميونيخ يقول فيه «إن قرار نشر أنظمة الدفاع على أراضي تشيكيا وبولندا لم يبدأ تنفيذه بعد، وسوف نراعي اعتراضات روسيا عند التنفيذ ».

بينما صرح القائد العام لحلف شمال الأطلسي الجنرال بينتس كيردوك في السادس عشر من فبراير بأن أنظمة الدفاع الصاروخية لا يمكن أن تكون موجهة ضد روسيا بأي حال من الأحوال، ولكن العسكريين الروس لايثقون في البنتاجون ولا في حلف الناتو، ويقول رئيس أكاديمية العلوم العسكرية الروسية الجنرال محمود جارييف «عندما وافقنا في التسعينات على انضمام بعض دول شرق أوروبا لحلف الناتو وعدونا بأنهم لن ينشروا أية أسلحة إستراتيجية على أراضي هذه الدول، ولكن اتضح لنا العكس تماما، حيث شرعوا في نشر أسوأ أنظمة هذه ألأسلحة هناك».

على ما يبدو أنه لم يعد هناك مجال للغة الدبلوماسية والمجاملات بين موسكو وواشنطن، لقد كشف الأميركيون وجههم تماما وأعلنوا أن روسيا ضمن أعدائهم، وعلى روسيا أن تتعامل معهم بالمثل حتى لا يتصوروا أنها خائفة منهم، وقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية في الخامس عشر من فبراير إلغاء التدريب الأمني المشترك مع قوات حلف شمال الأطلسي في إطار مكافحة الإرهاب والذي كان مقررا أن تستضيفه روسيا لمدة عام كامل، ورفض البرلمان الروسي المصادقة على اتفاق كان موقعا بين روسيا والحلف بشأن هذه التدريبات، وتقرر أيضا إيقاف التدريبات العسكرية المشتركة بين روسيا والولايات المتحدة والمعروفة باسم «تورجاو ».

وهناك معلومات تفيد بأن واشنطن تسعى لمطالبة مجلس الأمن الدولي بإصدار قرار جديد بشأن إيران بعد أن تنتهي مدة القرار 1737 في 21 فبراير الجاري، ولا يستبعد مع الحشد العسكري الأميركي في الخليج أن يبدأ البنتاجون عملية عسكرية ضد إيران في الربيع القادم رغم كل التصريحات التي نسمعها الآن من استبعاد ذلك، والتي تشبه ما كنا نسمعه قبل غزو العراق، ولا يستبعد أن تتوسع العمليات العسكرية لتشمل بلدانا أخرى، الأمر الذي سيفرض على روسيا ألا تقف مكتوفة الأيدي إذا اقترب الخطر من أراضيها، خاصة وأن العمليات العسكرية قد تصل - في رأي المراقبين والخبراء العسكريين - إلى منطقة بحر قزوين شمال إيران.

وكان الرئيس الروسي بوتين قد أدلى مؤخرا بحديث لقناة التليفزيون الهندية «دور دارشانش قال فيه «الأميركيون يسعون دائما لأن يكون لهم عدو خارجي، وبدون وجود هذا العدو لا يستطيعون توجيه شعبهم في الداخل لما يريدونه ولا يستطيعون السيطرة على حلفائهم في الخارج ويطلبون منهم التضحية التي هم في غنى عنها، وكلما كبر حجم العدو وحجم التهديدات كلما حقق الأميركيون قدرا أكبر من المصالح المادية والسياسية داخليا وخارجيا.

ولهذا فهم عادوا يخوفون الآخرين من روسيا ويقولون أنها تسعى لأن تصبح دولة عظمى، وهذا يعطيهم الحق في الداخل لطلب المزيد من الإنفاق العسكري، وفي الخارج لإعادة الحلفاء تحت هيمنة واشنطن».

محلل سياسي روسي