بعد فترة اللايقين بمعنى التذبذب والتأرجح في المواقف والتوجهات السياسية عادت روسيا إلى الأضواء، لا بوصفها الوريث التعيس لتركة الاتحاد السوفييتي الذي لم يكد يخلف لذريته شيئاً له قيمة، بل بوصفها فتى الأسرة السلافية الذي أعطى نفسه مهلة استرداد الأنفاس وإعداد كشف حساب أو بالأدق قائمة جرد لعقد التسعينات فإذا بالقائمة تكشف عن خسائر كانت فادحة وليس أقلها فقدان المكانة الدولية وتدهور النفوذ السياسي الذي كانت موسكو تستمتع به سواء على مستوى دول حلف وارسو في شرقي أوروبا أو على صعيد دول كثيرة في عالم القارات الثلاث النامية.

أما بنود النجاح في كشف المحاسبة فقد كانت قليلة وربما جاء في مقدمتها ما يمكن اعتباره من قبيل الدروس المستفادة التي واكبت انتهاء حقبة الحرب الباردة وانهيار الكيان السوفييتي: دولة وسياسة وتجربة وأيديولوجية.. وبعدها أسلمت روسيا المهيضة بداء يصيب الدول والكيانات الكبرى ويعرف في أدبيات السياسة بأنه إجهاد المعادن.

كان تلك هي حقبة يلتسين في عقد التسعينات التي شهدت تحولات كانت أقرب إلى التشنجات التي أصابت الدولة والمجتمع في روسيا وبلغت من قسوتها الحد الذي دفع بكثير من مراقبي الشأن الروسي إلى تصور أن أمام موسكو فترة طويلة ومريرة من أجل التقاط أنفاسها والتماس دور لها على ساحة السياسة الدولية.

بيد أن صعود فلاديمير بوتين إلى سدة السلطة الأولى في الكرملين الروسي. كان كفيلاً بدفع هؤلاء المراقبين إلى إعادة حساباتهم.. فالرجل أولاً يتحلى بشخصية حادة، كي لا نقول حديدية.. جديرة كما هو معروف بكادر متمرس في سلك هيئة الاستخبارات السوفييتية بكل شهرتها و.. شراستها.. والرجل لا يزال نسبياً في مرحلة اليفاعة أو نضج الرجولة بمعنى القدرة على العمل الشاق والمفاوضات المطولة وقراءة الدراسات ومطالعة التقارير بغير كلل، هذا فضلاً عن أن مثل هذه السن كفيلة بأن تدفع بطموحات صاحبها إلى مواصلة الخطى وتحقيق المزيد.

من هنا يسترعي النظر أن قاموس السياسة الذي يتعامل مع الشأن الروسي الراهن بعامة ومع توجهات بوتين بخاصة بات يحتوي على إيقاع من التكرار والتشديد مصطلحات لها دلالتها التي لا تخفى وكلها تدور حول معنى واحد هو: الاستئناف.. الاستعادة.. المواصلة.. الدور الجديد.. الرؤية المستجدة.. التطورات التي تطرأ داخلياً وخارجياً.. وما إلى ذلك بسبيل.

في هذا الإطار يستخدم البروفيسور «ستيفن لارابي» وهو من كبار المتخصصين في شؤون شرقي أوروبا في مؤسسة «راند» البحثية الأميركية الشهيرة مصطلحاً بسيطاً هو «عودة روسيا» الذي يفسره بأنه «معاودة نشوء أو صعود أو بروز روسيا بوصفها عاملاً (أو لاعباً) يعتد به ويحسب حسابه سواء على صعيد منطقة أوروبا الشرقية أو على المسرح الدولي بشكل عام».

في السياق نفسه يضع المفكر الأميركي يده على الورقة المحورية، والمستجدة أيضاً، التي يلعب بها الرئيس الروسي بوتين: زمان كان أسلافه من حكام الكرملين يلعبون، وأحياناً يتلاعبون، بأوراق شتى.. بدأت مع ستالين وكانت في أيامه ورقة بناء الدولة الشيوعية في بلد واحد بحيث يشكل نموذجاً يحتذى به ضد الامبريالية الغربية ويخوض بفضل صناعاته الحربية وطاقته الذرية غمار الحرب العالمية الثانية.. وما بعدها كانت ورقة خروشوف التي نادت بالانفتاح على العالم الثالث وبناء جسور الصداقة مع دول ونظم لم تحتفل بالشيوعية بل كانت تعارضها وتعلن أيديولوجيات سياسية وطنية وقومية مغايرة لها.. وقد ظلت هذه الأوراق العقائدية مطروحة على ساحة اللعب الدولية إلى نهاية الحرب الباردة التي آذنت بلحظة الغروب أو الانهيار.

وكان هذا درساً مستفاداً، فيما نتصور أمام فلاديمير بوتين الذي أهّلته ممارساته المخابراتية إلى إجراء تقدير موقف ما لبث أن طرح بعده شعاراً اسمه «التطور الاقتصادي»®. وبمعنى أن تتخلى موسكو عن حكاية الأيديولوجيات والنظريات والجدليات.. وتبحث عن المصادر الحقيقية والمتاحة للقوة الكفيلة بإعادتها إلى المسرح الدولي.. وهنا كانت الورقة التي ما برحت موسكو ـ بوتين تلوح بها وتحمل اسماً واحداً هو: البترول.. والغاز الطبيعي.

وفي هذا السياق بالذات تقول الدراسة الأميركية التي نحيل إليها (مجلة فورين أفيرز، عدد ديسمبر 2006):

لقد عمد بوتين إلى استخدام صادرات روسيا من الطاقة إلى شرقي أوروبا ودويلات البلطيق والدول المجاورة (أوكرانيا.. جورجيا مثلاً) من أجل توسيع نفوذ موسكو في تلك المناطق.

أما على الصعيد السياسي الداخلي فلاشك أن بوتين لا يقصّر في توطيد مكانته كرئيس استطاع أن يدفع بدماء الديناميكية في شرايين الكرملين.. إن دهاقنة وخبراء الإعلام والسياسة في موسكو يرتقبون عام 2008 بشكل خاص حيث يحين الموعد المقرر لإجراء الانتخابات الرئاسية التي من شأنها أن تشكّل مستقبل روسيا على مدار عشر سنوات مقبلة.. على حد تعبير الكاتب ديمتري ترينين (في تقرير من موسكو منشور في كتاب الإيكونومست عن اتجاهات عام 2007 الحالي).

في العام نفسه 2008 سوف ينتخب الروس مجلسهم النيابي الجديد (الدوما) ومن ثم فالعمل متواصل في إطار الدائرة الضيقة من مساعدي بوتين وكبار مؤيديه من أجل توطيد دعائم حزبه الجديد الذي يحمل اسم «روسيا المتحدة».

وإذا كانت الضرورات الاقتصادية تقتضي من مجموعة بوتين هذه مزيداً من العمل الداخلي والنشاط الحزبي وبناء المشاريع من أجل التطوير الاقتصادي واستيعاب مغارم التحول إلى اقتصاد السوق، فإن المقتضيات السياسية ما زالت تفرض في رأينا مزيداً من انطلاق روسيا وحركيتها كما تعاود إثبات وجودها وفاعليتها في مواقع شتى من خارطة العالم من ناحية.. ولإسماع صوتها مستقلاً عن هيمنة أميركا بل وناقداً لاستراتيجيات واشنطن الدولية من ناحية أخرى.

من هذا المنظور نتعامل مع التصريحات العلنية والتحركات السياسية والزيارات الرسمية التي حفلت بها على امتداد الفترة القريبة الماضية أجندة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما بين نبرات الشدة واللين.. أو عمليات الضغوط والاسترخاء بالنسبة للعقوبات الدولية المفروضة على إيران..

وما بين تصريحات بوتين بالغة الخشونة ضد سلوك الهيمنة الأميركي في مؤتمر الأمن المعقود مؤخراً في برلين.. وما بين تجاهله ـ كأي كادر استخبارات محترف ـ للردود الفظة من جانب رجل البنتاغون الجديد ويليام غيتس من أجل أن يواصل بوتين تصريحاته التي أدلى بها بتاريخ 13 فبراير الحالي واتهم فيها الولايات المتحدة بأنها «تعدت حدودها بشكل كارثي وأن محاولات الهيمنة التي تمارسها واشنطن تهدد.. بانهيار العالم».

وإذا كنا نلاحظ أن غيتس يرد على بوتين من موقع أن كلا الرجلين كان مديراً لأكبر وكالة استخبارات في بلاده (كبيراً للجواسيس حسب المصطلح الأميركي) فإننا نلاحظ أيضاً أن تصريحات بوتين بالذات، سواء في نبرتها الزاعقة أو في مفرداتها غير المسبوقة (على الأقل منذ انتهاء الحرب الباردة) ـ موجهة إلى الرأي العام الداخلي في روسيا ولاسيما أجيال الشباب المؤهلة للمشاركة في انتخابات الدوما والرئاسة في العام المقبل، كما أن نفس التصريحات تقصد أيضاً إلى إبلاغ أكثر من رسالة بعناوين دول شتى في الشرق الأوروبي والشرق الأوسط وأيضاً الشرق الآسيوي ومؤداها إن جاء الوقت لكي يحسب الفرقاء حساباً لروسيا بعد أن انتهى الوقت الذي ظلوا يعاملون به روسيا كأي كمية مهملة عبر 15 عاماً مضت منذ بداية التسعينات.

ونلاحظ كذلك أنه فيما استهل بوتين تصريحاته النارية هذه خلال زيارته لألمانيا.. فإن نسبة كبيرة تزيد على 60 في المئة من الألمان أعربوا عن تأييدهم لتصريحات الرئيس ولاسيما بالنسبة لمخطط أميركا أن تصبح السيد الأوحد للعالم على نحو ما كشفت عنه مؤسسة «أمنيد» الألمانية لاستطلاع اتجاهات الرأي العام.

وتلك نتيجة طبيعية كما نتصورها.. لأن بوتين إذ كان يبعث برسالة الكرامة (السلافية) إلى موسكو.. كان كمن يضرب أيضاً على وتر الكرامة (الجرمانية) التي لابد وأنها تضمر مشاعر من حنق مكبوت في نفوس الألمان إزاء سلوكيات العنجهية المغرورة التي ظل يتبعها فصيل المحافظين الجدد المتحكمين في صفوف الإدارة والبنتاغون في واشنطن، هذا رغم ما حاولته الأحزاب الألمانية من تخفيف أو احتواء للآثار الناجمة عن تلك التصريحات.

ثم نلاحظ أخيراً أن بوتين ظل يوالي هذه النغمة المتحدية من التصريحات خلال زيارات غير مسبوقة بكل تأكيد بالنسبة لرئيس روسي وقام بها إلى أقطار في منطقة الشرق الأوسط منها ما هو متاخم لإيران (السعودية بكل مكانتها التاريخية والعقيدية) ومنها ما هو متاخم لساحة العراق (الأردن بما له من أهمية حساسة بالنسبة للاستراتيجية الأميركية في المشرق العربي).

وبصرف النظر عن الملابسات المعلنة والتصريحات الرسمية التي واكبت زيارة بوتين للمنطقة وعن المعلومات التي رشحت عنها.. وعن عروض التعاون الصناعية والتكنولوجية التي طرحها رجل الكرملين القادم من موسكو فلاشك أن فلاديمير بوتين لم يأت إلى الجزيرة العربية لكي يستمتع فقط باحتساء القهوة المرّة بالهال.. ولكنه كان يصدُر عن رؤية استراتيجية أوسع ترتبط باستعادة دور طالما نَعِمَت به بلاده منذ منتصف القرن الماضي. ولكن بقي على الأطراف العربية أن تحسن إدارة التعامل مع هذا الدور بصورة حساسة واعية ومتوازنة بعيدة عن التورط في سياسة الكتل الدولية وهادفة إلى تحقيق مصالح المنطقة وشعوبها بالدرجة الأولى.

كاتب مصري