يبدو أن الوقت حان لأن نتأقلم ونتكيف مع فكرة أن الصراعات التي تموج بها منطقتنا من نوع الصراعات الممتدة والطويلة الأجل والتي لا يوجد بصيص من الأمل بأنها ستشهد يوما نهاية لها.
وبالتالي، يكون من المطلوب إمعان النظر في خلق محميات سلام يلوذ بها ويحتمي في ظلها من ضاقت به السبل في البحث عن العيش الآمن بعيدا عن مسلسل الاختطاف والقتل اليومي الجاسم على قلوبنا في العديد من دولنا، بل صار من المطلوب كذلك إمعان النظر في مبدأ الحياد بان تتفق الدول العربية فيما بينها على أن هناك دولة أو أكثر لها وضعية متميزة في مجال ما يعرف باسم الدبلوماسية الإنسانية.
لقد سبقتنا في ذلك الدول الأوروبية التي مزقتها الحروب في القرون السابقة، وطالت الصراعات التي اكتوت بنيرانها كل بقعة من أراضيها، إذ ابتكرت مفهوم الحياد، وأبرمت اتفاقيات جعلت من سويسرا بلدا محايدا مسؤولا عن القيام بالمهام الإنسانية في أوقات الحروب والصراعات، وحصلت هذه الدولة بمقتضى هذه الاتفاقية على حقوق البلد المحايد، ولكنها في التوقيت ذاته تحملت التزامات لعب الدور الإنساني في علاج ضحايا الحروب.
بالطبع فإن مواريثنا السياسية جعلت الصراع الأوحد والوحيد هو الصراع العربي الإسرائيلي، وبالتالي، فلم يكن مقبولا على الإطلاق أن تخرج أية دولة بشكل رسمي عن دائرة الصراع تحت عنوان الحياد، وبالتالي أصبح هذا المصطلح معبأ بالكثير من النواقص التي تجعل من السهل وصم أي دولة عربية تقوم بتبني هذا المبدأ كعنوان لسياستها الخارجية بخروجها عن الصف العربي، بل وعندما تبنينا هذا المبدأ في سياستنا الخارجية، كان رد فعل من جانبنا على سياسات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي متمثلا في الاتحاد السوفييتي السابق والدول الاشتراكية من جانب والمعسكر الغربي الذي كانت تقوده الولايات المتحدة.
وكان حيادنا حينذاك غير موثق دوليا، بل كان مجرد سياسة معلنة، والآن انقلبت الأمور رأسا على عقب، فكما انتهت الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، بدأت الدول العربية تعيش نكبة الاقتتال الأهلي جنبا إلى جنب مع صراعها التاريخي مع إسرائيل.
ولكن بالرغم من تغير المعطيات، لم يتم تطوير آليات جماعية تنهض بمسؤولية هؤلاء الذين يعيشون في خطوط القتال بين الفرقاء المتصارعين، ويدفعون من دمائهم يوميا ثمن أزمات وصراعات داخلية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وقد يهيم البعض منهم على وجهه بحثا عن مكان يوفر لهم الأمن والسلام، وقد يرتاد بعضهم مغامرات ومخاطر جمة للخروج بعيدا عن نار صراعات، وربما ينجحون في مسعاهم، ولكنهم في أغلب الأحيان سيجدون أن أراضينا المتسعة والمترامية الأطراف قد ضاقت بهم من دون أن يعثروا على مأوى يقيهم من مخاطر الموت.
حتى الآن، نحن نفهم السيادة بالمعنى المطلق، وأن السكان الموجودين في بقعة معينة هم توابع لحكوماتهم، ولا سلطان على هذه الحكومات حتى لو أدى الاقتتال الأهلي إلى النيل منهم جميعا، وحتى الآن، مازالت قدسية الحدود الفاصلة بين دولنا تسمو على أية اعتبارات حتى لو كانت ذات طبيعة إنسانية محضة، وربما الأفارقة في هذه الحالة أكثرا حظا منا.
فهم يتنقلون من أماكن الصراعات إلى أماكن أكثر أمنا بحكم هشاشة وضعف دول القارة السوداء على حماية حدودها، وربما أسهمت الدبلوماسية الإنسانية التي تتبناها بعض الدول العربية في التخفيف من حدة هذه المشكلة، ولكن يظل عبء هذه المشكلة ضخما بحيث لا تستطيع دولة أو مجموعة من الدول على تحمله.
وما يثير الانتباه أنه غالبا ما يكون هذا الموضوع غير مطروح على طاولة المناقشات في حالات بذل المساعي الحميدة لتسويتها. وهكذا، تظل الساحة فارغة تسعى لمن يقوم بملئها، وتبقى المشكلة بدون حل طالما ظللنا نؤمن بوهم بأن الاقتتال العربي ـ العربي غير وارد، وأن حل المآسي الإنسانية يكون عن طريق التبرعات الخيرية من دون المساس بحقوق الاختصاص الداخلي للدول.