نشرت المجلة المتميزة في مجال السياسة الدولية «شؤون خارجية» في عددها يناير/فبراير مقالاً لتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني تحت عنوان «معركة في سبيل قيم عالمية» تضمن شرحاً وتبريراً لما يعتبره الدافع والمحرك الأساسي للسياسة التي انتهجتها بريطانيا المتحالفة مع الولايات المتحدة في مواقع ساخنة من العالم في السنوات الأخيرة، هذه السياسة المثيرة للجدل التي غدت تؤرق الرأي العام البريطاني والأميركي والتي وضعت الإدارتين الأميركية والبريطانية في مرمى نيران المعارضين لها.

هذه السياسة التي أدت إلى مقتل ما يزيد على ثلاثة أرباع المليون من العراقيين وإلى تشريد ما يزيد على المليون منهم إلى أزقة الضياع في دول الجوار.

بداية لا بد من القول بأن المقال مهم للغاية، فكاتبه هو رئيس وزراء بريطانيا، الدولة التي لعبت دوراً هاماً في رسم معالم الشرق الأوسط الحالي منذ دخولها إليه بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث كانت الدولة العظمى الأهم في العالم، وهي الدولة التي لعبت في السنوات الخمس الماضية التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بالتحالف مع الولايات المتحدة، دوراً مهما جداً في رسم معالم ومستقبل بلدان وأحداث هامة في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين.

كما تزداد أهمية المقال هو أن كاتبه يعتبر ظاهرة متميزة في السياسة البريطانية، فهو أول قائد عمالي يقود حزبه إلى النصر في ثلاث دورات انتخابية متعاقبة وهو ما لم يكن بمقدرة أي زعيم عمالي في السابق تحقيقه، إذ لم يتمكن من سبق بلير في زعامة حزب العمال من الحفاظ على أكثر من دورة انتخابية واحدة، وهو في هذا الصدد يقارب مارغريت تاتشر السياسية البريطانية المحافظة البارزة التي كان لها حضور متميز في الساحة السياسية العالمية أبان عقد الثمانينات من القرن الماضي.

يمتاز بلير عن غيره من الزعماء البريطانيين بكونه مسكوناً بهاجس التجديد الفكري والثقافي والقيمي، فهو يحرص على إظهار نفسه قيادياً رائداً في سياق الدعوة للتجديد في الرؤى وفي الممارسات منذ تزعم حزب العمال. كما أن دعواته لتبني سياسات التجديد لم تتوقف حين أصبح صانع القرار الأول في السياسة البريطانية في عام 1997، حيث امتلك وسائل التنفيذ حين أصبح رئيساً للوزارة البريطانية.

ففي سبتمبر من عام 2005 وقف أمام مؤتمر حزبه في مدينة برايتون، جنوب بريطانيا، ليقول للحضور من أعضاء حزبه تعبيراً عن قدرته على التنفيذ «إننا صانعو التغيير»، ووقف في أغسطس من عام 2006 في لوس أنجلوس على منبر الخطابة ليدعو الولايات المتحدة إلى تغيير جذري في السياسة الخارجية الدولية من أجل خوض معركة تنوير في الشرق الأوسط ضد الاتجاهات الدينية الرجوعية.

ويأتي مقال بلير هذا في ظل ظروف تراجعت فيها شعبية حزب العمال البريطاني الذي يتزعمه، وتراجعت شعبيته شخصياً داخل هذا الحزب مما قد يضطره إلى التخلي عن الزعامة وعن رئاسة الوزراء قريباً. إلا أن هدف بلير الأساسي من كتابة هذا المقال هو الإشارة والتأكيد على أنه الوريث المخلص لتطلعات المؤسسة السياسية البريطانية التي تحرص قبل أي شيء آخر على مصالح بريطانيا الحيوية، ولم يكن الغرض منه تقديم الاعتذار عن سياساته التي ربطت المصالح البريطانية بالموقف الأميركي والتي ألحقت أضراراً عميقة الأثر في بلدان عديدة في العالم مثل العراق ولبنان وفلسطين، وبدرجة أقل في مناطق أخرى من العالم.

حرص بلير في مقاله على الظهور، أمام القارئ، بمظهر المفكر والفيلسوف الذي يحمل رسالة إنسانية، وليس بمظهر السياسي الذي تدفعه براغماتيته إلى المساومة على مبادئه، وتحرفه مصالحه وأهوائه بعيداً عن منهج السلوك القيمي، ويغفو ضميره في أغلب الأحيان فلا يردعه عن فعل شائن. وقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال ملخصاً تجربته في رئاسة الحكومة البريطانية لمدة تسع سنوات «أصبحت أكثر اقتناعا بأن التفريق بين سياسة خارجية تقوم على القيم وأخرى تقوم على المصالح تفريق خاطئ».

ويبدو أن بلير قد بذل جهداً كبيراً ليحول القناعة الزائفة التي استحوذت على فكره إلى أطروحات جديدة غير مسبوقة في عالم السياسة، مفادها أن انتهاج سياسة البحث عن المصالح لا تتعارض، في الحقيقة، مع انتهاج سياسة تصدير منظومات القيم للآخرين بالقوة. وهو بذلك قد أساء إساءة بالغة لأبسط الأعراف التي نشأت الديمقراطية الغربية، وبريطانيا هي أقدمها، في أطرها، وهو إقصاء العنف عن العمل السياسي وعدم اللجوء لغير لغة الحوار والإقناع، أفلا يبدو بلير متناقضاً مع نفسه حين يقول كلاماً كهذا؟.

وعندما يتناسى بلير موقف القانون الدولي من هذه التدخلات ويتناسى المبادئ التي تأسست في ضوئها منظمة الأمم المتحدة، عدم التدخل بشؤون الدول الأخرى أحد المبادئ الأساسية التي تشترط للانضمام إلى عضوية هذه المنظمة الدولية، فإن ذلك يدفعنا إلى التساؤل: أين يضع بلير نفسه أمام تساؤلات المجتمع الدولي حول هذا الموضوع بالذات، وهو الذي يحمل شهادة جامعية في القانون؟

لا ينكر بلير تدخل بريطانيا مع الولايات المتحدة في بلدان عديدة من العالم، وحسب قوله لم يكن ذلك التدخل من أجل تغيير أنظمة الحكم في تلك البلدان وإنما من أجل تغيير منظومات القيم فيها. ويبدو في هذا السياق بأن بلير عند كتابة هذه الكلمات قد أصم أذنيه كي لا يسمع قهقهات المفكر، الذي استعار بلير لبوسه، وهو يسخر من هذه الطروحات الطفولية. فمنظومة القيم في مجتمع معين هي الجزء الحيوي الفاعل في الحياة اليومية للنسيج الثقافي الذي تكون لدى هذا المجتمع عبر تأريخ طويل ساهمت تجربة الحياة اليومية في صياغته وتشذيبه وإكسابه المناعة التي تمكنه من البحث عن فرص البقاء والديمومة، مما يجعل من الصعوبة بمكان اختراقه.

ويطرح بلير حجته بأنه من أجل ضمان عدم صعود نظام سياسي إلى سدة الحكم مثل حركة طالبان أو نظام مثل نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وهما نظامان يمثلان تيارين انعزاليين عدوانيين، فليست الوسيلة المثلى لدحرهما تتأتى عن طريق سجن زعمائهما او إعدامهما وإنما عن طريق دحر فكريها وأيديولوجيتهما، وهو الأسلوب الأكثر أهمية وفاعلية.

ولكن بلير لا يقدم لنا منهجاً ولا آلية لذلك سوى منظومة القيم الغربية التي تستند إلى فكر وثقافة ومنظومة قيم تختلف كلياً عن طبيعة السلوكيات والمعتقدات والأخلاقيات الشرقية، مما يعزز الشكوك حول مدى تبني الإدارة الأميركية والبريطانية للطروحات التي جاء بها صموئيل هينتجتنون في مقالته الشهيرة عام 1991 تحت عنوان الصدام بين الحضارات.

لا أحد يختلف مع بلير بأن التعطش للحرية والرغبة في المساهمة في صناعة القرار هي طموحات إنسانية يشترك فيها الجميع بدرجات متفاوتة بغض النظر عن العرق أو الدين أو الانتماء الطبقي، وكم نود أن نرى فعلاً سياسيون من وزن رئيس الوزراء البريطاني يؤمنون بذلك فكراً وممارسة، ويسعون إلى تطبيقه ليس في بلدانهم فحسب وإنما في العالم أجمع. إلا أن تحقيق ذلك مرهون بدرجة التطور الاقتصادي والاجتماعي والقيمي في المجتمع، ولا يتأتى عن طريق سحق كبرياء الشعوب تحت جنازير الدبابات.

يقول بلير في مقاله «نحن محاطون بأناس يكرهوننا فعلاً، ولكن خلف أولئك ثمة آخرون أكثر بكثير ممن لا يكرهوننا ولكن يشككون في دوافعنا وحسن نوايانا» لَعمري إنه قد أصاب كبد الحقيقة، ولكن لِمَ يكرهكم البعض ولِمَ يتشكك الكثيرون في نواياكم؟. لم يتطرق بلير إلى أسباب هذه السلبية التي يقفها الآخرون إزاء السياسات البريطانية - الأميركية، إذ يبدو أنه قد تركها للقارئ لأنها بديهية جداً، فإن ما تعانيه السياسة الأميركية والبريطانية من إخفاق في الشرق الأوسط هو بسبب قناعة شعوب هذه المنطقة بعدم سلامة النوايا السياسية المبيتة وذلك استنادا إلى تأريخ طويل لهذين البلدين في التصدي الفض لمصالح وحقوق شعوب هذه المنطقة.

ولم ينس بلير في مقاله تمجيد الولايات المتحدة والدور الإيجابي الذي تلعبه في العالم فيقول بأن الموقف العدائي منها في بعض أجزاء أوروبا هو الجنون بعينه عند النظر إلى المصالح البعيدة المدى، ويؤكد كذلك بأن «الخطر في العلاقة مع الولايات المتحدة اليوم لا يكمن في أنها شديدة الارتباط بالعالم، بل الخطر في أنها قد تقطع جسورها وتنسحب» ويضيف في هذا الصدد «الحقيقة انه لا يمكن حل أية مشكلة تنزل بنا أو يمكن مواجهتها من دون الولايات المتحدة«.

أهذه دعوة للإذعان وطأطأة الرؤوس وتقبل سياسات الولايات المتحدة، أياً كانت، دون أدنى اعتراض تجنباً لإغضابها الذي قد يدفعها إلى إعادة التفكير في جدوى حملها لهموم العالم!!! وقد يدفعها إلى حزم حقائبها والانكفاء نحو الداخل!!! والتوقف عن تصدير القيم للآخرين!!! والتخلي عن إنقاذ العالم من الشرور التي تحيق به!!

لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية الدور الأميركي في الإسهام التقني في العلوم والتكنولوجيا والطب، ولا أحد يرغب في انكفاء الولايات المتحدة نحو داخلها والتخلي عن دورها في العالم، ولكننا في الوقت نفسه لا نرى بأن الولايات المتحدة قد اختارت لنفسها المدخل الصحيح لتعزيز دورها في العالم، فهي كقوة عظمى ليس في جعبتها رسالة حضارية حقيقية إلى العالم، لذلك فهي لم تجن من سياساتها، في الشرق الأوسط خاصة، سوى مشاعر الإحباط لدى من ساروا في ركابها آملين خيراً في الوعود المجزية التي تلقوها والشعارات البراقة التي استمعوا إليها، والتي سرعان ما ترجمت على أرض الواقع إلى محض سراب خادع.

ولا أحد ينكر بأن الغرب قد أثرى السلوك الحضاري على المستوى الدولي وكان له الفضل الأكبر في صياغة التشريعات الحضارية التي صدرت عن الأمم المتحدة وعن المنظمات الدولية الأخرى فيما يخص حقوق الإنسان والحفاظ على المحيط الحيوي الذي نعيش فيه من خلال عدم الإخلال بالثوابت البيئية. ولكن ذلك، والحق يقال، لم يكن بفضل الحكومات الغربية بالدرجة الأولى وإنما بسبب الدور الهام والمتقدم حضارياً لمنظمات المجتمع المدني التي لم تكن، في أي يوم من الأيام، مؤيدة لسياسات حكوماتها التي تنهج الحلول العسكرية للأزمات الدولية.

إن حرص بلير على الدفاع عن الولايات المتحدة بهذا الحماس يتطلب تسليط بعض الضوء على العلاقة البريطانية - الأميركية وعلى العلاقة البريطانية - الأوروبية، من خلال تصريحين فقط أدلى بهما بلير. ففي أحد أكثر التصريحات الموالية للاتحاد الأوروبي أهمية، أعلن بلير في أكتوبر من عام 2000 أنه يؤيد تحول الاتحاد الأوروبي إلى قوة عظمى وليس إلى دولة عظمى (صحيفة الغارديان البريطانية في السابع من أكتوبر 2000)، عاد بلير بعدها ليطلق تصريحاً خطيراً عند إحدى زياراته للولايات المتحدة، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، مفاده بأن أخطر العقائد السياسية في الوقت الحاضر هي تلك التي تدعو إلى ظهور قوى عظمى متعددة تنافس الولايات المتحدة في تقرير السياسة الدولية.

لقد اختارت بريطانيا التحالف مع الولايات المتحدة مفضلة إياها على جاراتها الأوروبية، وهي بذلك قد وضعت نفسها في موقع المتناقض بين ما تمليه الجغرافية السياسية من ضرورة الانتماء إلى الجسد الأوروبي، وبين ما تفرضه الأحلام الإمبراطورية، التي لا تزال تعشش في أذهان القيادات السياسية البريطانية، التي ترى أن تحالفها مع الولايات المتحدة يمنحها موقعاً ودوراً أفضل في السياسة العالمية. وهنا ليس أمامنا إلا أن نتخلى عن الاستمرار في الحوار مع بلير حول محاور القيم ومناهجها في الحياة وفي السياسة، والاقتصار في الحوار على عالم المصالح الآنية والمصالح البعيدة المدى.

ولكي لا نجانب الموضوعية، لا بد من الإشارة إلى أن هنالك بعض المواقف في السياسة البريطانية تنسجم مع منظومة القيم التي يتحدث عنها بلير، فقد اتفقت بريطانيا مع دول الإتحاد الأوربي على الطلب من الولايات المتحدة خلال انعقاد القمة الأوربية - الأميركية في فيينا، يونيو من العام 2006، على إغلاق معتقل غوانتانامو السييء الصيت، كما أن بريطانيا هي التي أصدرت في العام المنصرم التقرير الهام الذي يحذر من خطورة ما سوف يترتب على ظاهرة الاحتباس الحراري من تداعيات .

ولسنا هنا بصدد ذكر الكثير من القرارات البريطانية التي لا تتفق مع عالم المثل والقيم التي يتحدث عنها بلير، إلا أننا نود توجيه ثلاثة أسئلة فقط إليه تحسم الخلاف حول معنى القيم:

1. هل تخضع تجارة تصدير السلاح البريطاني إلى معايير القيم التي تتكلم عنها؟

2.هل كان إعاقة استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار في لبنان في يوليو من العام الماضي، الذي أسهمتم فيه، منسجماً مع منظومة القيم التي تدعون إليها ؟

3. هل كان تقديم أدلة مفبركة إلى مجلس الأمن الدولي حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، الذي أسهمتم فيه، لتهيئة الرأي العام العالمي لتقبل الحملة العسكري ضده، ينسجم مع منظومة القيم التي تنادون بها؟

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae