يمثل الضحك حالة انفعالية مصاحبة لموقف أو كلام يتضمن عنصراً من العناصر التي تدفع الإنسان للضحك. وليس من الضروري أن يكون الكلام مبهجاً أو مضحكاً بالفعل كي نضحك؛ فكثيراً ما نضحك ونحن نسمع كلاماً يبعث في النفس الأسى، فنضحك ثم نردد بعد ذلك: شرّ البلية ما يضحك.

كما أننا نضحك حين لا نفهم ما يُقال أحياناً، كوسيلة للتهرب من الإجابة عن ما لم نفهمه، أو وسيلة لاستدراج المتكلم للإفصاح أكثر. وقد نضحك حين نُسأل عن أشياء إن تُبْد للسائل تسؤه، فنفضل الضحك على الإجابة، أو الضحك ثم الإجابة، كما في سؤال الوالد للابن: كيف كان الامتحان؟ فيكون الضحك أفضل خيار لدى الابن إن لم يكن أداؤه جيداً في ذلك الامتحان.

الضحك لا يرتبط عادة بالمواقف ولا الكلمات المفرحة والباعثة للبهجة في النفوس، بل على العكس، ذكرت إحدى الدراسات التي رصدت حالة ألفي شخص في الأماكن العامة، وسجلت المواقف أو الكلمات التي سبقت ضحكهم، أن معظم تلك الحالات كان الضحك فيها تالياً لعبارات تخلو من أي عنصر إبهاج أو إضحاك حقيقي أو مألوف. فقد كان كثير منهم يضحك بمجرد أن يُسأل عن حاله في ذلك اليوم.

الإنسان بفطرته يحب الضحك، ولكن لدينا -هنا في الخليج مثلاً- اعتقاد بأن الضحك الكثير لا بد أن يعقبه بكاء أو حزن كثير. وكثيراً ما نردد أن كثرة الضحك تميت القلب، دون أن نحاول فهم المغزى الحقيقي لهذا الحديث النبوي الشريف.

ولا يفوتنا تبعاً لذلك أن نستعيذ بالله من الشيطان ومن الضحك أيضاً بعد جلسة غلب فيها الضحك على الحاضرين، أو أكثر الحاضرون من الضحك فلا يلبثون بعد أن ينتهوا أو ينتبهوا لكثرة ضحكهم أن يرددوا بشيء من خوف لا يخفى: اللهم اجعل عُقْبى هذا الضحك خيراً، أو أن يقولوا بخوف أيضاً: الله يستر من هذا الضحك!

بالإضافة إلى هذه الاعتقادات توجد لدى بعضنا مواقف سلبية تجاه الضحك، منها أنه ينزع هيبة المرء من نفوس الآخرين، وفي المقابل فإن قلة الضحك تضفي على الشخص سمتاً مميزاً يسعى بعض الناس إلى اكتسابه. ولعل هذا الاعتقاد يستند إلى ما يُنسب لسيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، وهو قوله (من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن كثر مزحه استخفّ به).

ولكن من الواضح في هذا القول أن المقصود به هو المبالغة في الضحك والمزاح بسبب ودون سبب، وليس هذا ما نريده بالطبع، لأن للضحك وقته، وللجد وقته، ولا يُقبل المزج بين الحالتين في كثير من الأحيان، كما أن المبالغة في أحدهما على حساب الآخر غير مقبولة أيضاً.

ومن هذه الاعتقادات أن كثرة الضحك من ضعف الدين، فمن كان إيمانه قوياً كان ضحكه قليلاً. ويبدو هذا الكلام مستنداً إلى حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه الترمذي (لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب). لكن الكثير من العلماء والشيوخ ذكروا أن المقصود بكثرة الضحك هنا هو الخروج عن الحد المعتاد، والوصول إلى درجة الكراهة التنزيهية بالمبالغة في الضحك والقهقهة، بسبب أو دون سبب، ولا يعني نص الحديث تحريم الضحك أو حثّ الناس على عدم الضحك.

كيف اكتسب الضحك -الذي يعني غالباً الفرح والبهجة والسعادة- هذه الدلالات التشاؤمية والقيم السلبية، وكيف ارتبطت عاقبة كثرة الضحك بالبكاء والحزن، هذا كله غير معروف، ويحتاج إلى أبحاث معمقة للوقوف على سرّه، ولكنه خارج موضوع مقالتنا هاته أساساً، التي تتناول الجوانب الإيجابية للضحك، وفوائده التي نغفل عنها ونهملها ونحن نردد أقوالاً وآراء تقف حاجزاً منيعاً بيننا وبين الانطلاق في الضحك، والتعبير عن حالات تخففنا من أثقال همومنا بصوت يلامس صداه السماء.

قد لا يعرف الكثيرون منا أهمية الضحك، أو فوائده التي تتجاوز الحالة الانفعالية التي يعيشها الإنسان حين يضحك. ومن أهم هذه الفوائد ما ذكرته نتائج الدراسة التي نشرتها «الدورية الدولية للسمنة» مؤخراً عن الضحك، وتناقلتها عدد من الصحف والدوريات العربية،

إذ جاء فيها أن الضحك بصوت عالٍ لمدة تتراوح بين عشر إلى خمس عشرة دقيقة يومياً، يؤدي إلى زيادة مصروفات الطاقة عند الفرد بما يتراوح من 10-40 كيلو سعرة حرارية في اليوم الواحد. أي أن الضحك وسيلة للتخلص من السمنة، وهذه فائدة واحدة فقط من فوائده.

ومن فوائد الضحك أيضاً أنه قد يؤدي إلى زيادة معدل ضربات القلب، إلى جانب زيادة مصروفات الطاقة بمقدار يتراوح ما بين 10 - 20 في المئة، شريطة أن يكون ضحكاً من القلب.وبحسب الدراسة فإن تناول الطعام عند مشاهدة مسرحية كوميدية يساعد على خفض نسبة السكر في الدم خصوصاً إذا ما قورن بتناول الطعام في ظروف اعتيادية، أو عند سماع كلام علمي على سبيل المثال.

لقد أصبح الضحك اليوم علماً يُعرف بعلم الضحك، وقد صدرت كتب عدة تتناول هذا العلم وتعرض مفاهيمه الأساسية، وتبين فوائده وأهميته، وتؤكد ضرورة تعلم فنونه، من خلال أندية خاصة تُقام لهذا الغرض. ويذكر شاكر عبد الحميد في كتابه (الفكاهة والضحك.. دعوة للتفاؤل) أن الهدف من إنشاء هذه الأندية هو الابتعاد عن مصادر النكد والحصول على أكبر قدر من الاسترخاء الذي يساعد هؤلاء الأعضاء على تجديد الأمل،

ولهذا السبب استحدثت بعض شركات الطيران وظيفة «مهرج» على خطوطها لتخفيف التوتر عن الركاب. وقد انتشرت مؤخراً وسائل العلاج بالضحك بوصفه وسيلة للاستمرار في الحياة بشكل أفضل وأكثر حيوية.وقد يكون من المناسب أن نذكر أن عدد أندية الضحك في العالم يربو على الخمسة آلاف ناد، منها ثلاثة آلاف ناد في الهند وحدها، بحسب ما ذكرت نجوى هاشم في مقالة لها عن ثقافة الضحك.

والذين يعملون في هذه الأندية، أو معاهد التمرين على الضحك، هم أناس تتلمذوا على يد أستاذ علم الضحك، العالم الهندي ماران كاتاريا، الذي أسس أول ناد للضحك عام 1995م، لينتشر بعد ذلك تلاميذه في مختلف بقاع المعمورة، ما عدا دول العالم العربي على ما يبدو، لينقلوا خبراتهم ومهاراتهم في علم الضحك للناس من حولهم، مؤكدين الآثار الإيجابية لفنون الضحك على الإنسان نفسياً وعضوياً.

وعلى الرغم من كل هذه الحقائق عن الضحك، أو بالأحرى عن علم الضحك، إلا أننا لا نزال أسرى لمفاهيم وتصورات لا نعرف مدى واقعيتها، لكننا نتناقلها جيلاً بعد جيل، في محاولة منا للحفاظ على ما ورثناه ممن قبلنا، ونقله بأمانة وإخلاص كما هو لمن بعدنا، متناسين أن العالم يتطور من حولنا بسرعة لا يمكن اللحاق بها،

وأن العلم يتنامى ساعة بعد ساعة، بل لحظة بعد أخرى، ليقدم لنا باستمرار الجديد، ويبقى علينا فقط أن نحاول تقبل الجديد الذي يخالف موروثاتنا التي نفهمها كما نشاء، أو نحمّلها أكثر مما تحتمل، وأن نقبل ما يقوله العلم، إذا كان يستند إلى أساس قوي.

اللافت في هذا الموضوع هو أنني في اليوم الذي كتبته فيه، وقبل إرساله كنت أقود سيارتي للقيام بزيارة عائلية، وطوال الطريق كان أخي الأصغر الذي يميل إلى النكتة وحب المزاح بطبعه يضحكنا بتعليق أو طُرفة، وضحكنا بالفعل كما لم نضحك منذ فترة طويلة، فتذكرت المقالة التي كتبتها في صباح ذلك اليوم،

وتوجهت بالسؤال لمن معي في السيارة، لماذا نخاف من الضحك؟ فلم أجد جواباً محدداً، لكننا تناقشنا في الموضوع، فأبديتُ لهم وجهة نظري بأننا نحن من يزرع الخوف في أنفسنا حتى ونحن في قمة لحظات سعادتنا، وأن الخوف من عاقبة الضحك الكثير غير مبرر.

بعد دقائق معدودة من هذا الكلام، تعرضتُ لحادث سير، عنيف إلى حد ما، لكن الحمد لله، وقع الضرر على السيارات فقط. بعد أن هدأنا واستوعبنا ما حدث، تذكرت ضحكنا، ونقاشنا حول الضحك، وهذا الكلام الذي كتبته في المقالة، ولم أعرف كيف أفسر ما حدث، أو أجد رابطاً معقولاً بين الأحداث، ولكني وجدت أن من الأمانة أن أذكر ذلك للقارئ، لأنه بالفعل أمر يستحق التفكير والبحث فيه، كما أشرت في بداية حديثي.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com