تحول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى لغز محير لدى الكثيرين، هذا الرئيس الشاب الذي أصبح فجأة سيد الكريملين في يناير عام 2000 ولم يكن أحد يعرفه، ولم يكن له أي وجود ملحوظ على الساحة السياسية، وكان مجرد موظف في الدولة وليس ناشطا سياسيا ولا يتبع أي حزب أو جماعة ولم يعرفه الناس إلا عندما فوجئوا بتعيين الرئيس السابق يلتسين له كسكرتير لمجلس الأمن القومي في مارس عام 1999 قبل توليه الرئاسة في روسيا بثمانية أشهر فقط.
ولد بوتين في مدينة ليننجراد في أكتوبر عام 1952 في أسرة فقيرة، وكانت والدته تعمل منظفة في الشوارع والأماكن العامة، ودرس بوتين القانون وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة ليننجراد عام 1975، ونظرا لإجادته اللغة الألمانية بطلاقة وتفوقه في رياضة الجودو التي حصل فيها على الحزام الأسود اختير للعمل في جهاز الاستخبارات السوفييتية «كي جي بي»،
وألحق للعمل في ألمانيا كرجل مخابرات من عام 1985 وحتى عام 1990، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 عمل بوتين في إدارة محافظ مدينة ليننجراد، وفي عام 1997 انتقل إلى موسكو ليعمل كموظف في إدارة الكريملين حيث مقر الرئيس يلتسين، ويبدو أنه حاز ثقة وإعجاب يلتسين الذي قرر في عام 1998 تعيينه في منصب مدير جهاز الأمن الفيدرالي، وفي العام التالي أصبح سكرتيرا لمجلس الأمن القومي،
كل هذا والشعب لا يعرفه ولا يعطيه أي اهتمام حتى أغسطس عام 1999 عندما أصدر يلتسين قراره بتعيين بوتين رئيسا للوزراء، وكانت مفاجأة للجميع وخاصة المعارضة الروسية التي كانت تعارض بشدة القرارات العشوائية للرئيس يلتسين الذي شهدت فترة حكمه (عشر سنوات) نحو عشرة رؤساء للحكومة،
وكانت المفاجأة الكبرى بعد ذلك بأربعة أشهر عندما قرر الرئيس يلتسين التنحي عن منصب الرئاسة وتعيين الشاب بوتين الذي لا يعرفه أحد و لم يبلغ بعد الخمسين من عمره رئيسا بالإنابة لروسيا ليصبح سيد الكريملين، وفي مارس عام 2000 خاض بوتين انتخابات الرئاسة مدعوما بحزب الحكومة وكافة أجهزة الدولة وأيضا رجال الأعمال وأصحاب المصالح الكبيرة ليفوز ويصبح رئيسا لروسيا.
ربما لا يعلم الكثيرون أن بوتين جاء للرئاسة بدعم وإيعاز من رجال الأعمال اليهود الروس «أباطرة النفط» وخاصة بوريس بيرزوفسكي الهارب الآن في لندن الذي أوعز للرئيس يلتسين بأن بوتين أفضل خليفة له، وأنه الوحيد الذي يمكن أن يعد بصدق بعدم توجيه أي اتهامات فساد ليلتسين بعد رحيله من السلطة،
وأيضا لا يمس مصالح الأباطرة من رجال الأعمال اليهود الروس الذين سيطروا تماما على أكثر من 70% من الاقتصاد الروسي في عهد يلتسين، وقد وفى بوتين بوعده ليلتسين ولم يوجه له تهم الفساد، لكنه لم يوف بوعده لرجال الأعمال اليهود الذين أوصلوه للرئاسة، وبدأ بعد توليه السلطة في مطاردتهم لاستعادة أملاك الدولة منهم، وهرب كثيرون منهم لأوروبا وإسرائيل، وبعضهم في سجون روسيا الآن بتهم الفساد والاستيلاء على أموال الدولة.
لقد استعاد بوتين سلطة الدولة على مفاتيح الاقتصاد الرئيسية، واستعاد مجد روسيا في أسواق الطاقة والسلاح العالمية، وقرر أن يستعيد تواجد روسيا على الساحة السياسية الدولية، ويخطو في ذلك خطوات واسعة، وخاصة في الشرق الأوسط الذي أصبحت روسيا تمسك بالكثير من أوراق اللعبة الهامة فيه، مثل علاقاتها بإيران وسوريا،
وعلاقاتها بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية وتواجد السلاح الروسي في أيدي المقاومة اللبنانية بشكل ملحوظ، وأيضا علاقات روسيا المتطورة بالسعودية والتي تثير قلقا كبيرا في الغرب باعتبارهما عملاقي الطاقة العالمية في النفط والغاز، أيضا علاقات روسيا الإستراتيجية بالصين والهند،
إلى جانب التغيرات الكبيرة على الساحة الدولية وحركة العداء لواشنطن وعدم الثقة في سياساتها والممتدة من الشرق للغرب، والتغييرات الجذرية في أميركا اللاتينية ووصول أنظمة حكم ثورية معادية لواشنطن في معظم بلدانها، أيضا الفشل الذريع لثورات الديمقراطية الملونة في الجمهوريات السوفييتية السابقة مثل جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا وغيرها، إلى جانب انتهاء الأزمة الشيشانية.
كل هذا وغيره الكثير أعاد لروسيا الكثير من فاعليتها، ونجح بوتين بسياساته الداخلية والخارجية في دعم الدور الروسي، وكسب ثقة شعبه، الأمر الذي يثير الآن السؤال حول من سيخلفه في الحكم عام 2008، حيث إنه ليس من حقه الترشيح لدورة ثالثة، ولكن الشعب الروسي لا يتخيل أن يبتعد بوتين عن الحكم في هذه الفترة بالتحديد والتي تواجه فيها روسيا تحديات خارجية تستوجب وجود رجل مثل بوتين في الحكم، فهل سيبقى؟ وكيف؟ هذا هو اللغز.