كثيراً ما يتداعى إلى الأذهان في هذه الأيام مقولة ان الذي لا يحسن الاستفادة من دروس التاريخ من المؤكد أنه سينزلق إلى نفس الهاوية التي انزلق إليها من قبل. تتداعى تلك المعاني إلى الأذهان فيما نراقب تزايد حدة سخط الرأي العام الأميركي إزاء الوضع المتأزم في بلاد الرافدين، فمقارنة العراق حالياً مع فيتنام في الماضي تكشف لنا عن تباين في الظروف والعدو والمخاطر، إلا أن التشابه الذي يجمع بينهما يظهر جلياً في تزايد الاستياء الشعبي بين الأميركيين مع مرور الوقت وزيادة أعداد القتلى والجرحى.
إن إدارة بوش تعيش منذ شهور حالة من الانهيار الكلي والفضائح والمشكلات الاستراتيجية والاقتصادية تتجمع عليها كالجراد. الورطة الأولى والأهم هي الحرب في العراق ابتداءً بالتخطيط لها عن طريق نشر الأكاذيب وابتزاز المجتمع الأميركي ومجلس الشيوخ للموافقة على شنها ووصولاً إلى الخسارة العسكرية في العراق لتصل إلى تبنى مجلس النواب الأميركي موقفاً يرفض استراتيجية الرئيس الأميركي جورج بوش في العراق.
لكن غالباً ما ينظر كبار مسؤولي الإدارة إلى مثل هذه القرارات التي يقدمها أعضاء الكونغرس، على أنها غير ملزمة أو تدرج ضمن النصوص التي يمكن إهمالها بسهولة أو الالتفاف عليها، ومع هذا، فإن مجموعات لوبي ونشطاء من اليسار واليمين، يعملون اليوم على تطويق خطط صقور الإدارة، ويدفعون باتجاه استرداد الكونغرس الحق الدستوري في إلزام الإدارة بتوصياته مع التهديد بقطع التمويل عن الحرب.
مجلس النواب يسعى لإسراع عجلة سحب القوات أكثر مما يبديه الآخرون. والشيء الذي لم تنقشع عنه سحب الغموض بعد هو ما إذا كان الديمقراطيون سيؤثرون تخفيف وطأة الانطباع بمعارضتهم للحرب على افتراض خاطئ منهم بأن ما يسوء بوش يمكن ترجمته إلى منفعة تصب في مصلحتهم في الانتخابات القادمة.
من المؤكد أن المراهنة على أن بوسع الديمقراطيين في المؤسسات التشريعية الأميركية كبح جماح إدارة البيت الأبيض الحالية، هي مراهنة على وهم، فالحراك السياسي في داخل هذه المؤسسات، يبدو انه لن يتعدى الحراك الانتخابي المعتاد، فيما تتحرك الإدارة الأميركية وفق مخططاتها القديمة الجديدة بمواصلة رسم مخططاتها في العراق.
فلا يمكن التعويل كثيراً على تلك الدراسات والتقارير التي تصدر من خارج مؤسسات البيت الأبيض، كتقرير بيكر ـ هاملتون مثلاً، أو كتقرير مراكز دراسات أخرى تنصح بالخروج من العراق، وتغيير سياسة الحروب إلى السياسة الدبلوماسية، ففي نهاية الأمر، لا يختلف معدو التقارير أو الدراسات تلك مع الإدارة الأميركية في نظرتهم إلى مصالح الولايات المتحدة، وإلى ضرورة أن يبقى القطب الأوحد، نظاماً مهيمناً في كل الظروف وعبر كل المعطيات.
نظرياً، يبدو المشهد الداخلي منقسم تماماً، فالجدل الذي يلف الحراك السياسي الأميركي، المتعلق بمناقشة الاستراتيجية الجديدة التي أعلنها بوش، خاصة ما يتعلق منها بإرسال 21500 جندي إضافي إلى العراق الذي لقي فيه أكثر من 3120 جندياً أميركياً حتفهم حتى الآن، يتركز الجدل حول القرارات التي يجب التصويت عليها، وهي تتعلق بإرسال الجيوش، وبالمسألة الخاصة بتمويلها، أي بمسألة الموافقة على الاعتمادات المالية المطلوبة، هذه القرارات التي وان صدرت بالموافقة أو الرفض، فهي غير ملزمة للإدارة ولرئيسها.
كثيرة هي المخططات أو الخطوات التي تنوي الإدارة الأميركية تنفيذها في المنطقة، ولعله من المفيد، أن يقتنع الجميع أن ما يجري من تناقضات داخل المؤسسات الأميركية لن يغير من توجهات الإدارة شيئاً في العراق وإنما الأمر يتعلق بحسابات انتخابية وقد تم اختيار العراق كورقة فقط للضغط دون التفكير الجدي في إنهاء الاحتلال لهذا البلد الذي يجلب مليارات الدولارات للولايات المتحدة من خلال نهب نفطه.
وبغض النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل السير في نفس الطريق الحالي، أو ستخفض من وجودها في العراق، إلا أن تطوير القوات العراقية ينبغي أن يحظى بالأولوية المطلقة. ذلك أن القوات العراقية هي مربط الفرس في كل اختيار يبدو معقولاً بالنسبة للعراق. وحتى تكون هذه القوات قادرة على تحمل مسؤوليات الأمن والاستقرار في العراق.
الوضع في العراق وصل إلى نقطة يصعب فيها التكهن بما يمكن أن يحدث إذا فشلت الخطة الأمنية الجديدة، بالرغم أن لها حظوظاً كبيرة لتحقيق النجاح ولكن فشلها سيؤدي إلى كارثة، لذلك فقد حان الوقت لالتفاف الجهود نحو إخراج العراق من دوامة العنف وإسقاط كل الذرائع التي استخدمتها الولايات المتحدة لتبرير احتلالها العراق واستمرارها في نهب نفطه بالاستفادة من غياب أي رقيب.
benhadnal@yahoo. fr