تلعب مؤسسات التمكين الاجتماعي، بمختلف مسمياتها، دورا كبيرا في رفع المعاناة المادية والمعنوية عن بعض الشرائح في المجتمع ولا سيما «الأيتام»، ورغم وضوح أهدافها النبيلة وعطائها المتفاني في تمكين هذه الشرائح من تحقيق حد معقول من الرعاية الاجتماعية والتأمين المادي ناهيك عن العمل على تحقيق الجو النفسي لليتيم لضمان اندماج تلقائيٍّ في المجتمع، إلا أن هذه المؤسسات قد تصطدم بالعديد من العقبات التي يمكن أن تحد من تحقيق طموحاتها وتنفيذ أهدافها وبرامجها. ولعل من أبرز هذه العقبات اعتمادها على دعم حكومي محدود إلى جانب تبرعات فاعلي الخير وكافلي الأيتام.
وبنظرة على التجارب الرائدة في مجال تحسين ظروف الأيتام والمعوزين والمحتاجين، نجد أن من أفضل التجارب على الإطلاق هي التجربة الإسلامية التي أسست لبيت مال المسلمين أو لما يعرف الآن بوزارات المالية، ويعتبر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من أنشأ بيت المال بسبب الفتوحات العظيمة التي تمت في عهده والخيرات التي تدفقت على الدولة المسلمة.
وتعد أموال الزكاة المصدر الرئيسي لهذا البيت الرائد إلى جانب مجموعة من المصادر الأخرى. والمعروف أن الزكاة مقدار معلوم من مال الأغنياء يرد إلى إخوانهم الفقراء، وهي أرقى صور التكافل الاجتماعي والذي لا يعرف نظيره في أي مجتمع من المجتمعات السابقة أو اللاحقة.
وقياسا على هذه التجربة الناجحة التي أثرت الحياة الاقتصادية والاجتماعية في العهد الإسلامي، لم تيأس الدول الإسلامية الحديثة بعمق وجمال هذه التجربة، بخاصة في جانبها المتمثل باستثمار أموال الزكاة، وربما بدأت بعض الدول العربية والخليجية تعي أهمية استقطاب هذه الأموال لتصريفها بالأسلوب التكافلي.
وذلك من خلال إنشاء صناديق لزكاة الأموال كهيئات مستقلة تعمل على توعية المجتمع بأهمية فريضة الزكاة، إلى جانب بث روح التراحم والتكافل بين أفراد المجتمع، إلا أن بعض الباحثين يرون أن التجربة لا تزال غير مكتملة .ولم تشرع أغلب هذه الصناديق في تنمية مواردها واستثمارها بالصورة التي تحقق تطوير أدوات التمويل فيها، لذا يبقى الجانب الاستثماري هو الأقل تطورا ونموا.
ويذهب بعض المهتمين بهذا الشأن إلى ضرورة تحول نشاط صناديق الزكاة في جانب منها إلى مصارف إسلامية تقوم بتمويل الأفراد المعوزين والقادرين على العمل، بحيث يتم تقديم حلول ناجعة تمكنهم من إيجاد مشروعات صغيرة تحقق لهم دخلا ثابتا بدلا من المبالغ الصغيرة التي لا تكاد تغطي الاحتياجات الضرورية للأسر المحتاجة.
وبالتالي يتم تحقيق الهدف الأسمى وهو القضاء على مشكلة العوز والفقر إضافة إلى إرساء آلية عصرية لمفهوم الزكاة، وذلك من كونها مجرد مبالغ تجبى من الأغنياء وتقدم لمن تنطبق عليهم الشروط إلى مجموعة من الاجتهادات والأفكار، وبالتالي آليات عمل اقتصادية يمكن أن توظّف هذه الأموال في مشروعات تنموية وقفية واستثمارية تسهم في خلق موارد جديدة تحقق ديناميكية معينة لضخ الأموال وتنميتها.
ولعل هذا التفكير قد راود الكثيرين ممن سعوا لإنشاء مثل هذه الصناديق، لكن إلى يومنا هذا لم نسمع عن تنفيذ عملي لفكرة المصارف التمويلية القائمة على أموال الزكاة، والتي يمكن أن تساهم في تمويل بعض المؤسسات الخيرية الاجتماعية لتمكينها من تحقيق أهدافها بخاصة في كفالة الأيتام، من خلال مشروع استثماري يدر بشكل تلقائي على هؤلاء دون الاعتماد على الهبات التي قد يطول انتظارها.
ومع اختمار الفكرة وكيفية تطبيقها عمليا، لا بد أن يعي المهتمون أن وجود مؤسسة تكافلية تمويلية رائدة من هذا النوع لن يقوم على أساس تقديم قروض، وإنما بتمويل يحقق استثمارا يكفل عائدا مضمونا لتنمية أموال الزكاوات، مما يوجد ضرورة لفتاوى فقهية تواكب تغير ظروف العصر وتنظم عمل هذه المؤسسات.
ومن التجارب النوعية في هذا الاتجاه والتي كانت سببا في رفع المستوى المعيشي لكثير من الأسر المحرومة والتي وصلت حد الفقر المدقع، هي تجربة مصرف جرامين في بنغلاديش الذي أسسه الاقتصادي محمد يونس كردّة فعل على المجاعة التي تفشت سنة 1974 وخرّبت البلد المستقل حديثاً، واستطاع أن يبني نواة لعالم بلا فقر كما يقول، بل يؤكد على انه يمكن اجتثاث الفقر وتحويله إلى ظاهرة تاريخية قديمة.
ومن خلال تقديمه قروضا صغيرة للفقراء والمتسولين استطاع محمد يونس أن يضرب أكثر من عصفور وبحجر واحد فلم يكتف بمنح الفقير قرضا حسنا، بل منحه فرصة أن يكون تاجرا ولو كان تاجرا صغيرا، وعلى اثر نجاح تجربة جرامين، سعت كثير من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى الاستفادة من محمد يونس شخصيا، وكما يقول أليكس كاونتس رئيس مؤسسة جرامين فاونديشن بالولايات المتحدة الأميركية «إنه قد تبيّن بوضوح أنه يمكن أن يكون لتمويل المشاريع الصغيرة جداً تأثير كبير على تقليص الفقر على المستويين المحلي والقومي».
ومع وجود 3 ,1 مليار إنسان يعيشون في حالة من الفقر المدقع في العالم، يصبح الفقر شبحا لا يمكن القضاء عليه بجهود فردية، مما يتطلب تكاتفا اكبر من المجتمع الدولي وتبقى لكل تجربة إقليمية خصوصيتها، على الأقل فيما يتعلق بالوسائل الممكنة التي توفر حياة كريمة لا سيما تلك التي تنبع من قيم العقيدة الغراء.
وفي السياق ذاته لا بد من الإشارة إلى المشروع الرائد الذي يتمثل في برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية والذي أنشئ عام 1980، بمبادرة من الأمير طلال بن عبد العزيز، وبدعم وتأييد من قادة دول الخليج، والتي تشكّل عضويته وتساهم في ميزانيته ويعنى بدعم جهود تحقيق التنمية البشرية المستدامة الموجهة للفئات الأكثر احتياجاً في الدول النامية.
وإذا كان الغرب المتقدم يستفيد من التجارب الاقتصادية الناجحة حتى من الدول النامية والتي تصنف على أنها من أشد البلدان فقرا كبنغلاديش، فإنه من الأولى لأغنياء هذه الأمة الاستفادة من تجربة محمد يونس الشخصية الذي لم يبخل بتوظيف أمواله على شكل قروض حسنة فقط من أجل انتشال فقراء بني جلدته، وحثهم على تكوين مشروعاتهم حتى لو كانت متناهية في الصغر، وليس مطلوبا من أغنياء العالم العربي الدخول في مجازفة القروض، لكن الفرصة تتجدد كل عام لتطهير أموالهم والقيام بفريضتهم وترك الباقي على صناديق الزكاة.
كاتبة إماراتية