لوحظ في الفترة الأخيرة أن هناك محاور جديدة في طريق التشكل في منطقة الشرق الأوسط. وهي محاور متقاطعة بشكل لم يسبق له مثيل... بحيث تغيرت كثير من خطوطها واتجاهاتها... ومع ذلك يظل من الصعب التنبؤ بمدى إمكانية استمراريتها أو نتائجها القادمة. من أهم هذه الخطوط الجديدة، الخط السعودي «الإيراني، والخط السعودي» الروسي والخط الإيراني « الروسي. ويمكن النظر إليها من زاوية أخرى، فهو يمثل مثلثا سعودي » روسي» إيراني الأضلاع.

والكل يعلم بأن روسيا تعرضت على مدى 30 عاما تقريبا من القرن الماضي لعدة هزات أرغمتها على التخلي عن دورها العالمي في مواجهة الدور الأميركي بشكل عام وعن دورها في المنطقة بشكل خاص مقابل الدور المتنامي التي بدأت تلعبه الولايات المتحدة الأميركية فيها، وبالتالي الانحسار والتقوقع على نفسها لحل مشاكلها الداخلية المتزايدة.

وكانت البداية مع طرد الخبراء الروس في منتصف السبعينيات من القرن الماضي من مصر على يد الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات وتوجه السياسة المصرية نحو التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية، ومن ثم بداية تفكك الاتحاد السوفييتي ونظامه الشيوعي في منتصف الثمانينات مع فلسفة البرويسترويكا (إعادة البناء) الجلاسنوسنت (الشفافية) التي وضع أسسها ميخائيل غورباتشوف.

والخروج من أفغانستان مهزومة شر هزيمة عام 1989 وبعدها حل الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينات، وما تبعه من محاولات استقلال العديد من الجمهوريات السوفييتية السابقة، وانشغالها بالحرب في الشيشان، وحاولت روسيا بعدها إعادة ترتيب أوراقها مع الجهة الغربية من حدودها مع أوروبا وصولا إلى الولايات المتحدة.. ولكن التعامل معها تم بحذر شديد أو بازدراء وبعدم ثقة. فاتجهت نحو الشرق: الصين والهند وإيران.

واليوم وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على انطواء هذه الدولة التي كانت تعد في يوم من الأيام ثاني أعظم دولة في العالم، يخرج هذا المارد من قمقمه لينتهز فرصة تخبط السياسة الأميركية في المنطقة وليعيد ماضيه الذي كان له صولاته وجولاته على الساحة الدولية.

إن تكرار انتقادات الرئيس بوتين لسياسة العنف والغطرسة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية على شعوب العالم بداية مؤشرات هذه العودة وفرض كلمة إمبراطورية ظن الكثيرون أن عهدها ولى بلا رجعة. وكان يمكن أن يكون كذلك، لو أن الدول الغربية وعلى مدى ثلاثة عقود من الزمن انشغلت فيه روسيا بمشاكلها الداخلية، استطاعت أن تطبق ولو جزءا يسيرا من العدالة والنزاهة في تعاملها مع دول العالم الثالث أو النامي كما يطلق علينا.

لا شك أن الساسة الغربيين استطاعوا أن يضعوا تحت إبطهم أنظمة ومعظم حكام العالم الثالث، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في فعل الأمر نفسه مع شعوب تلك الأنظمة. وحقيقة الأمر هي أن حتى حكام تلك الأنظمة كانوا يمالون ويخضعون لأوامر سياسة الغرب بدافع الخوف أكثر منه بدافع القناعة. وربما دفعت تلك السياسة بالشعوب، التي تنظر إلى صمت حكامها أمام عجرفة وابتزاز الدول الكبرى، إلى الإحساس بأنها أصبحت وقضاياها ومطالبها المعلقة في خندق واحد.

وبالتالي بدأت في الثمانينات ظاهرة تشكل الأحزاب الإسلامية في بلدان الشرق الأوسط على شكل خلايا تصغر أو تكبر سرية أو مجاهرة بوجودها. وكان من بين شعاراتها مناهضة التسلط الخارجي على مقدرات الشعوب التي لا حول لها ولا قوة. ولتحقيق ذلك وجوب العودة إلى الالتزام بمبادئ الدين الحنيف. وربما تطور كره هذه الشعوب ليتحول في بعض الأحيان إلى صدام مسلح مع حكوماتها التي تعيش تحت سلطتها.

ورغم الاختلافات المذهبية بين هذه الأحزاب إلا أنها جميعا اتفقت كلمتها على محاربة الاستعمار الجديد الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. وانضم كثير من المثقفين والمفكرين بشكل أو بآخر إلى هذه الأفكار باعتبار أن الدول الغربية التي تمارس العدالة في بلدانها لا تكف عن ممارسة الظلم بشتى أشكاله على الشعوب الضعيفة .

وفي الآونة الأخيرة، وبعد الاحداث التي هزت المنطقة على أكثر من محور زادت حدة ردة الفعل ضد التدخل الأجنبي في كل صغيرة وكبيرة من الشأن الداخلي للمنطقة. ورفض الكثيرون مبدأ أو حتى فكرة اللجوء إلى محاكم الدول الغربية لإصدار حكمها في أي خلاف قد ينشب بين الطوائف الداخلية باعتبار أن ذلك يمثل إهانة للاستقلال الوطني، إضافة إلى أن الغرب في الأصل لم يكن يوما ما عادلا في تعامله مع أطراف النزاع في المنطقة وأنه كان دائما يضع نصب عينيه مصالحه الخاصة.

وكانت روسيا تنظر خلال تلك العقود إلى الفوضى التي كانت تسود الشرق الأوسط نظرة المتفرج المبتهج! لأنها ربما أدركت ـ من خلال خبرتها الطويلة ـ أن الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية بسياستها تلك سوف تخسر الرهان آجلا أم عاجلا في منطقة الشرق الأوسط، وأن الدول تحكمها في النهاية إرادة الشعوب .

وليست الأنظمة التي تحكمها - تماما كما حصل في تاريخ روسيا منذ الثورة البلشفية حتى سقوط نظام الشيوعية واستقلال العديد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا، وما تبعه من سقوط أنظمة الدول التي كانت تتبعه وفي النهاية سقوط جدار برلين، وأدركت بأن التدخل في شؤون الدول الأخرى بحكمة خير من التدخل بشكل متهور وقسري. وقد صدق حدسها.

ويبدو أن كثيرا من أنظمة دول المنطقة بعد مشاهدتها لطريقة الحربين اللتين شنتا على العراق ولبنان وما نتج عنهما من حرب طائفية داخلية دامية والمضايقات المستمرة التي تتعرض لها سوريا وإيران بدأت تتخوف من أن يأتيها الدور غدا... خاصة وأن الولايات المتحدة الأميركية لم تخف وفي مناسبات عديدة نيتها وتصميمها على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتناسب ومصالحها الخاصة بدعوى نشر الديمقراطية.

وربما تعتبر المملكة العربية السعودية من أكثر الدول الصديقة للولايات المتحدة الأميركية وللغرب التي تعرضت لكثير من المضايقات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنها استطاعت بدبلوماسيتها الحفاظ على هدوئها إلى حين مرور العاصفة، رغم ما شاب علاقتها مع تلك الدولة العظمى من فتور في العلاقات، والذي دفعها إلى البحث عن أكثر من حليف أكثر أمنا في المستقبل.

وكانت روسيا تترقب منذ زمن طويل هذه اللحظة، ووجدت بأن الفرصة قد حانت بعد تخبط الولايات المتحدة وحليفاتها في العراق وبعد تورط إسرائيل في لبنان وموقف الولايات المتحدة الأميركية الرافض لإدانة إسرائيل في مجلس الأمن وما أثار ذلك من ردود فعل غاضبة لدى الشعوب العربية والإسلامية، وغيرها من الأحداث المختلفة بدءا من السخرية بالرموز الدينية الإسلامية إلى الكيفية التي تم بها إعدام صدام حسين، والتي جاءت كلها لتضر بالوجود الأميركي في المنطقة ولتصب في النهاية في مصلحة روسيا كبديل أثبت في السابق مساندته لقضايا العرب والمسلمين ومستعد للعودة من جديد ليلعب دوره الذي طالما خسره مرغما.

لذا لم تكن أبدا مصادفة الزيارة الرسمية والتاريخية التي قام بها قبل أيام فلاديمير بوتين إلى السعودية وقطر والأردن، حيث لم يسبق لأي زعيم روسي سابق أن قام بمثلها للمنطقة من قبل. فهل نتوقع تقلبات جذرية في مناخ الجغرافيا السياسية « الساخنة» في المنطقة مع قدوم الرياح السيبيرية «الباردة»؟ ربما.

فروسيا تحسب اليوم للسعودية ألف حساب لما تتمتع به هذه الأخيرة من ثقل في المنطقة بعد انحسار الدور المصري. إضافة الى تحسن العلاقات الإيرانية السعودية التي هي اليوم في أفضل حالاتها ما يمثل جبهة قوية قادرة على فرض نفسها، ودورها في حل الخلاف الذي طال أمده في لبنان وفي الصراع الدامي بين فتح وحماس في فلسطين وهذا بالتأكيد سيشكل أرضية ثابتة لعودة الدور الروسي في إيجاد نوع من التوازن المفقود في منطقة خسرت الكثير نتيجة للسياسة الأميركية التي يراها الكثير من المحللين غير عادلة ولا تلتزم بالشرعية الدولية بل ومتهورة.

غير أن أهم ما يميز السياسة الجديدة لروسيا تصريحات الرئيس بوتين الجريئة في العاشر من هذا الشهر في خطابة أمام مؤتمر ميونخ الـ 43 حول الأمن، والذي أخذ فيه على الولايات المتحدة الأميركية، من بين أمور أخرى كثيرة، «النهج الأحادي الذي خرج عن حدوده» وسياستها المهيمنة وتجاهلها روسيا والقوى الناشئة الأخرى، وأن الطرف المهيمن سوف يدمر نفسه من الداخل. أي أن على العالم أن يحسب من اليوم فصاعدا الدور الروسي في الشرق الأوسط الممتد جغرافيا... وبشريا... واقتصاديا..

لكن ذلك لن يتحقق لروسيا دون دعم من وللجمهورية الإسلامية في إيران (على كافة الأصعدة حتى النووية منها) ومن وللملكة العربية السعودية على كافة الأصعدة (حتى النووية منها)؟ ودون تقارب زوايا هذا المثلث الجديد بشكل ثابت.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com