بعد عام طويل صعب ودامٍ تجرع خلاله الفلسطينيون شتى ألوان العذاب، تناوبت عليه مراحل حوار سياسي تارة، وحوار بالسلاح تارة أخرى، تبدل المشهد فجأة ليجد الفلسطينيون أمامهم على شاشات التلفزة، صفاً طويلاً من القيادات الفتحاوية والحمساوية يلتقون في رحاب مكة المكرمة، ويتبادلون كلمات الود، والابتسامات، ويطلقون الوعود الحازمة الجازمة من أنهم لن يبرحوا المكان إلا متفقين.
هذه هي السياسة وضروراتها ودهاليزها، فالإخوة الأعداء والأعداء الأعداء قد يصبحون أصدقاء، والأصدقاء وحتى الأشقاء قد يتحولون خلال لحظة واحدة إلى أشد الأعداء.
ظاهرة الاقتتال التي أعقبت الانتخابات التشريعية في الخامس والعشرين من يناير العام الماضي، وكانت تعبيراً مكثفاً عن انقسام سياسي عميق وازدواجية في السلطة الواحدة واضحة، انقسام امتد إلى المجتمع حيث انقسمت العائلة الواحدة ووجدت بعض الأمهات الفلسطينيات أنفسهن يجلسن بين سريرين يستلقي على احدهما ابن جريح من فتح وعلى الآخر ابن من حماس. هذه الظاهرة لم تحصد فقط أرواح ما يقرب من خمسمئة فضلاً عن مئات أخرى من الجرحى، وإنما حصدت معها آمال الفلسطينيين، وثقتهم بقياداتهم السياسية، وحصدت أيضاً الكثير من المنجزات السياسية وغير السياسية.
لا يقف الوضع الفلسطيني المتردي على انقسام واقتتال بين فصيلين متصارعين على السلطة، وإلا كان أمر الحل سهلاً، إذ يكفي أن تتفق القيادتان على تقاسم الصلاحيات يتبعه أو يسبقه أمر بوقف الاقتتال، غير أن الوضع الفلسطيني يعاني من أزمة شاملة عميقة تطاله وتضرب بعمق مختلف مناحي حياة الفلسطينيين.
الوعي الفطري لدى عامة الفلسطينيين هو ما يجعلهم قلقين حتى بعد اتفاق مكة الذي يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية يترأسها القيادي في حماس إسماعيل هنية.
فبالرغم من ترحيبهم الواضح بالاتفاق إلا أن التساؤل الذي يجري على ألسنتهم ويحاولون أن يلتمسوا له جواباً شافياً هو ما إذا كان هذا الاتفاق سينهي فصل الاقتتال، والحصار، ليفتح صفحة جديدة في العلاقات الداخلية تسمح باستمرار التوافق الوطني؟، أم أن كل ما في الأمر لا يتعدى هدنة مؤقتة أو مرحلة تعايش يحتاجها الطرفان وقد لا يطول بها الفرح حتى تنفجر بفعل تحديات وأجندات معقدة وكثيرة.
هنا تكثر أسئلة الناس بشأن مدى صدقية الطرفين إزاء ما يعللان به الاتفاق من أنهما يرغبان في تجميع وتكريس الجهد الوطني لمجابهة الاحتلال واستحقاقات التحرر الوطني، الذي يسبق كل أولوية ويعلو على كل شأن، خصوصاً وأن مثل هذا الإدراك لم يكن غائباً عن الطرفين وكل الأطراف حين كانت الحركتان تخوضان الصراع المميت.
ومثل هذا التقليل أيضاً الحديث عن الحرص على رفع معاناة الحصار عن الشعب الفلسطيني فالحصار مضروب على الشعب الفلسطيني منذ عام تقريباً، ولا نعتقد أن الاقتتال كان سيؤدي إلى تخفيف أو رفع هذا الحصار بأي حال من الأحوال.
وإذا كانت ثمة مراهنة من قبل الطرفين حماس وفتح، من أن إجراء الحوار وتوقيع الاتفاق في مكة، وهو ما لم يكن ممكناً في مكان آخر رغم كثرة العواصم العربية التي قامت بالوساطة بينهما، إذا كان ثمة مراهنة على أن السعودية ستوظف إمكانياتها وعلاقاتها الدولية مع أطراف الرباعية الدولية خصوصاً الولايات المتحدة، لتأمين القبول الدولي بحكومة الوحدة الوطنية ورفع الحصار عنها وعن الشعب الفلسطيني، فإن السعودية أيضاً تؤمن لمن يحتاج من الطرفين الشرعية العربية باعتبارها صاحبة المبادرة العربية الشهيرة، وعندها تتفق بقية الدول العربية.
الواقع أن أي دولة عربية ستفكر أكثر من مرة قبل أن تحاول تعطيل الاتفاق وتعريض السعي السعودي لخطر الفشل، خصوصاً وأن ثمة تنسيقاً سعودياً مصرياً، سبق الاتفاق ورافقه حتى نهاياته السعيدة، وحيث لاحظنا خلال الحوار الذي استمر يومين في مكة، وجود وفد مصري رفيع المستوى في واشنطن، ربما كان عليه من بين قضايا أخرى أن يساعد في تسويق الاتفاق وإقناع الأميركيين بعدم معارضته وتعطيله.
ردود الفعل الدولية جاءت متباينة ولكنها في الإجمال ليست سيئة، إذ فضلت الإدارة الأميركية دراسة الاتفاق ومراقبة التشكيل الحكومي، مع التذكير بضرورة الاستجابة لشروط الرباعية الدولية، خصوصاً ما يتصل بالاعتراف بإسرائيل، وذلك قبل أن تصدر موقفاً نهائياً. وعلى الأرجح أن تنتظر الولايات المتحدة نتائج اللقاء الثلاثي الذي سيجمع وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس إلى الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، الذي سيتم في التاسع عشر من الشهر الجاري، قبل أن تبلور موقفها من خلال اجتماع الرباعية الدولية في الحادي والعشرين من فبراير الجاري.
وفي إشارة ربما تفهم على أنها تعكس استعداداً أميركياً لرفع الحصار تدريجياً وليس دفعة واحدة، صدر عن المستويات المسؤولة في الإدارة الأميركية أنها قد تتعامل مع الوزراء غير الحمساويين في حكومة الوحدة.
الأوروبيون كان موقفهم أكثر إيجابية، فبالرغم من معاودة التذكير بشروط الرباعية الدولية إلا أنهم رحبوا بالاتفاق، والتريث قبل إصدار موقف واضح ونهائي من إمكانية البدء برفع الحصار والتعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة، وقد تميزت فرنسا من بين المجموعة الأوروبية، لتتخذ موقفاً مطابقاً للموقف الروسي، حيث انهما لم تكتفيا بالترحيب بالاتفاق وإنما دعتا لرفع الحصار.
أما الموقف الإسرائيلي فقد تعرض للتذبذبات، فبينما جاءت ردود الفعل الأولية ترفض الاتفاق وتطلق التهديدات، عاد المستوى الرسمي ليخفف من اعتراضاته ويتحدث عن قضية الجندي الأسير جلعاد شاليت كعقبة، وأغلب الظن أن هذا التراجع في الموقف الإسرائيلي يعود إلى تدخل أميركي غير مرئي.
على كل حال ليس بين الفلسطينيين من يعتقد بأن اتفاق مكة سيؤدي إلى وقف فوري للحصار، والأمل معقود على أن تؤدي الجهود السعودية والعربية إلى البدء برفع الحصار تدريجياً.
وبالرغم من أن رئيس الحكومة المكلف بتشكيل حكومة الوحدة إسماعيل هنية، خلال خطاب موجه للشعب ألقاه بعد عودته من مكة، قد وضع مهمة استكمال عملية التحرر الوطني على رأس التحديات والأولويات التي ستنطلق لمعالجتها حكومته، إلا أن الفلسطينيين الذين يفهمون جيداً مدى صعوبة تحقيق أهدافهم الوطنية، يفهمون أيضاً أن التحديات الداخلية ستكون الأصعب على أجندة الحكومة.
في هذا الإطار يترتب على طرفي الاتفاق حماس وفتح، أن يجدا طريقة لإقناع القوى والفصائل الأخرى المطلوب مشاركتها حتى تكون الحكومة حكومة وحدة وطنية، وبعد أن جرى إقصاء وتهميش هذه الفصائل من دائرة الحوار والاتفاق، وبعضها مثل الجبهة الشعبية تسجل اعتراضات ذات طابع سياسي وليس فقط ما يتعلق بتركيبة المحاصصة للحقائب الوزارية.
وإذا كان الملف الداخلي، حافلاً بالقضايا الصعبة، مثل المصالحة الوطنية، وإنهاء حالة الفوضى والفلتان الأمني، وقضية السلاح، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، والأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، وموضوع الإصلاح، وإعادة الحياة للمؤسسات التشريعية والقضائية، فضلاً عن قضايا أخرى، فإن الاتفاق فقط على حكومة الوحدة الوطنية لا يكفي لمعالجة أزمة شاملة وعميقة تطال كل النظام السياسي الفلسطيني ومختلف جوانب حياة الفلسطينيين.
إن الفلسطينيين كما المجتمع الدولي ينتظرون تشكيل الحكومة، ويراقبون قدرتها على العمل والالتزام بما يرضي تطلعات المجتمع ويؤكد مصداقية الخطابات التي ألقاها المسؤولون أمام العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز وحاشيته، وأمام وسائل الإعلام احتفالاً بالاتفاق.
كاتب فلسطيني
