أجرت تركيا اتصالات إقليمية متعددة في الآونة الأخيرة تفيد بأنها تريد ان تلعب دورا في العراق او على الأقل ان تضمن لنفسها ألا تأتي التطورات المتوقعة في العراق على حساب أمنها القومي، فإذا استبعدنا التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء التركي عبدالله غول والتي وصف فيها الوضع في العراق بأنه «خطير جدا»، مشيرا الى أن مسؤولية تركيا التاريخية أن تهتم بهذا البلد وليس من حق أحد أن يتهمها بالتدخل بشؤون العراق الداخلية.
وذكّر أردوغان أيضا بالاحتلال الأميركي والتواجد العسكري لعدد كبير من الدول في العراق. وقال ان كل هؤلاء يتدخلون بشؤون العراق ولكن عندما تتحدث أنقرة التي لها 350 كيلومتراً حدوداً مشتركة مع العراق عن مخاوفها مما يجري يتهمونها بالتدخل في العراق.
وشدد على الدور الذي لعبته حكومته في إقناع السنة للمشاركة في الانتخابات العراقية عندما جمعت بين قادتهم والسفير الأميركي السابق زلماي خليل زاد في اسطنبول، موضحا أن الذين باركونا لمثل هذا العمل يهاجموننا لأننا نتحدث عن مخاوفنا في العراق الذي تحول الى مصدر قلق جدي بالنسبة لنا بسبب تواجد عناصر الكردستاني التركي في شماله. وكرر أردوغان رفضه مساعي الأكراد السيطرة على مدينة كركوك وفرض سياسات الأمر الواقع على الجميع، متهما واشنطن بعدم القيام بأي شيء في هذا الموضوع على الرغم من تقرير بيكر ـ هاملتون الذي أشار الى خطورة الوضع في المدينة.
اذا استبعدنا هذه التصريحات سوف نلاحظ تحركات تركية تجاه كل من إيران وسوريا، أسفرت عن إحياء الآلية التي كانت قائمة من قبل وهي اجتماعات الدول المجاورة للعراق من اجل بحث وضعه ومستقبله، وكل ذلك إضافة بالطبع الى اتصالاتها المعلنة مع الولايات المتحدة لبحث الشأن العراقي.
وكل ذلك يعني انها نظرا لأنها بدأت في الاتصالات ذات الاتجاهات المتعددة فهي تشعر بخطورة الموقف وتريد ان تتحكم فيه، وانها تدرك ان هناك لاعبين متعددين لهم دور في الشأن العراقي فهي تتصل بكل منهم حتى لا تأتي التطورات مفاجئة لها وتؤثر بالسلب على مصالحها.
وهناك من المراقبين المتابعين للوضعين التركي والعراقي من يرى انه على تركيا ان تشعر بالقلق من جراء التطورات العراقية ويعددون مصادر هذا القلق التي يقف على رأسها ان العراق كان في السابق ومنذ استقلاله دولة يسيطر عيها السنة من العرب، وكان هناك قدر من التوافق بينه وبين تركيا على أساس ان الدولتين معا تحكمهما حكومات سنية.
وكلنا يعلم ان هذا الوضع تغير كليا حيث أصبح الشيعة يسيطرون على الحكومة العراقية، ولم تعد هناك إمكانيات التنسيق او التوافق السابقة. وهذا الوضع العراقي أعطى لإيران الشيعية فرصة تاريخية لأن تصبح بينها وبين العراق تنسيق إقليمي قد يأتي على حساب الدور الإقليمي لتركيا.
وثاني المصادر يأتي من تطورات وتداعيات المسألة الكردية في العراق فالوضع العراقي القائم على الفيدرالية سوف يفتح الباب أمام قدر ما من الاستقلال الذاتي للأكراد وهو ما قد يفتح شهية أكراد تركيا لصيغة مشابهة، وهي صيغة لا يمكن للدولة التركية احتمالها لأسباب متعددة اقتصادية وجيو سياسية و ثقافية، وهذا الأمر احد الثوابت التركية بشأن العراق.
وقد لعبت تركيا ادوارا بارزة متعددة سواء مباشرة ام عن طريق الضغط على الولايات المتحدة من اجل إشراك السنة في العملية السياسية وهو ما يحجم الى حد كبير من سيطرة الشيعة ولكن كل ذلك ليس كافيا ولا يحول دون وقوع التطورات التي تخشاها تركيا.
من هنا يستطيع المرء ان يرجح ان تركيا عندما اتجهت مؤخرا لإيران وسوريا، فإنها تكون قد غيرت استراتيجيها، حيث أصبحت تعمل على التوصل الى تفاهمات مع الدول الإقليمية التي لها صلة بالأطراف العراقية الرئيسية ومن خلال هذه التفاهمات تستطيع ان تتحكم في التطورات او ان تؤثر فيها وتحجم الآثار السلبية لها.
والملاحظ انها عندما أجرت اتصالات مع إيران فهي كانت بالتالي تدرك ان الأخيرة لها صلات مباشرة سياسية وروحية مع أطراف شيعية متنفذة، وكل هذه الأطراف ترفض التصور الكردي للفيدرالية، وبالتالي فإن تركيا تريد ان تطمئن ان تصورات هذه الأطراف عن الفيدرالية لن تكون لها آثار سلبية على تركيا.
وبالنسبة الى السيناريوهات المتوقعة وتأثيرها على تركيا، هنا لابد من الإشارة الى سيناريوهين حتميين ليس أمام تركيا اي فرصة لتجنبهما الأول هو سيطرة الشيعة على العملية السياسية في العراق، وعلى الرغم من ان تركيا تعلم انه لا يوجد توافق تام في الرؤى والآراء بين شيعة العراق وإيران، فهي في نفس الوقت لا تستطيع ان تتجاهل ان الأخيرة اي إيران تتحرك من اجل السيطرة على الرقم الشيعي في العراق وهي بعد ان كانت تتعامل بخفة مع تيار مقتدى الصدر أصبحت تتعامل معه باعتباره لاعبا رئيسيا في المعادلة العراقية.
إضافة الى ان تركيا تدرك ان تطورات الأمور عادة ما تتحرك لصالح التيار المتشدد وهو هنا سوف يكون التيار المنادي بدولة دينية يسيطر عليها رجال الدين، وهذا الأمر له نتائج سلبية فهي من ناحية سوف تعزز من تيار التطرف داخل تركيا في مواجهة تيار الاعتدال الذي يمثله حزب العدالة والتنمية، وسوف تعزز أيضا من فورة الأقلية العلوية التي تطالب بحقوق دينية وثقافية ولها روابط روحية مع المذهب الشيعي، وذلك بالطبع إضافة الى ما سوف تؤدي اليه من تعزيز الموقف الإقليمي لإيران.
اما السيناريو الحتمي الثاني فيتعلق بالمسألة الكردية، والمعروف ان قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت وما صدر بعده من وثائق أساسية للدولة العراقية كلها أقرت مبدأ الفيدرالية خاصة بالنسبة للمناطق الشمالية التي يقطنها الأكراد، وأصبح السيناريو المتوقع بالنسبة للمناطق الكردية يتراوح بين درجة واسعة من الحكم الذاتي، مع الانضواء في دولة عراقية موحدة ترأسها إحدى الشخصيات الكردية البارزة مثلما هو الحال الآن، او دولة كردية مستقلة لها مقومات واضحة حاليا لأن ذلك يتكون ويترسخ منذ عام 1992 وحتى الآن.
وكل هذه السيناريوهات لا تتوافق مع مواقف تركيا في العراق التي كانت في السابق تلجأ الى الضغط على الولايات المتحدة لكي تضغط بدورها على الأطراف العراقية الداخلية من اجل الحيلولة دون تأسيس دولة للأكراد، وقد تحققت نتائج جزئية لضغوطها ولكن أصبحت الخيارات المتاحة أمامها هي داخل السيناريوهين الحتميين اللذين سبق وأشرنا إليهما.
والحاصل ان تركيا كانت تتحرك في السابق من اجل منع هذين السيناريوهين وكان تحركها في اتجاه واحد هو الولايات المتحدة، اما الآن فيبدو انها أدركت حتمية اي منهما وبدأت في البحث عن صيغة مرضية لها من داخلهما، وهو ما يفسر التحركات التي أجرتها في الفترة السابقة تجاه كل من إيران وسوريا والسعودية مصر وهي حتى الآن لم تسفر عن نتائج واضحة.
كاتب مصري
