وقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العاشر من فبراير الجاري أمام الحاضرين في المؤتمر الثالث والأربعين حول الأمن الذي عقد في مدينة ميونيخ الألمانية، وهو مؤتمر تأسس عام 1962 ليصبح مناسبة سنوية يناقش فيها القادة أهم ما يقلق الأمن والسلم العالميين، وقف ليلفت نظر العالم إلى الخطر الذي يكمن في السياسات الخارجية التي تنتهجها الولايات المتحدة.

وأبرز النقاط التي استرعت انتباه المراقبين هو رفض الرئيس بوتين هيمنة القطب الواحد على السياسة الدولية محذراً من الاستخدام شبه المنفلت للقوة الذي تمارسه الولايات المتحدة في مناطق عديدة من العالم، والذي لم يعد يتيح لأحد الشعور بالأمان والاطمئنان إلى جدوى الاحتماء بغطاء القانون الدولي.

وقد ذهب الرئيس الروسي إلى أبعد من ذلك في تحذيره فقد أشار إلى أن الإمعان في هذه السياسة سوف يؤدي لا محالة إلى تدمير الطرف المهيمن من الداخل، وأكد أن نهاية الحرب الباردة قد جاءت بقوى اقتصادية مهمة في العالم لا يمكنها أن تبقى متفرجة على ما يجري دون أن يكون لها مواقف تتناسب مع قدراتها الاقتصادية.

وكان أبرز الحضور من الساسة الأميركان، وزير الدفاع روبرت غيتس والسيناتور الديمقراطي جوزيف ليبرمان الذي كان مرشحاً كنائب للرئيس في الانتخابات الأميركية عام 2000، والسيناتور الجمهوري جون مكين المرشح المحتمل للرئاسة الأميركية المقبلة.

كان خطاب بوتين قوياً في رأي جميع من حضر المؤتمر وربما سيتم تذكره في المستقبل باعتباره نقطة تحول مهمة في العلاقات الدولية، فالنقاط التي وردت فيه تعتبر أقوى ما صدر عن الرئاسة الروسية منذ انهيار الإتحاد السوفييتي السابق مطلع تسعينات القرن المنصرم. وقد جاءت هذا الخطاب متزامناً مع عدد من الأحداث التي يقلق بعضها روسيا أشد القلق وأخرى تتيح لها فرصة لا يمكن إلا أن تستغلها لتوسيع دائرة مصالحها في منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد ما لحق مركز الولايات المتحدة من اهتزاز في هذه المنطقة.

ومع أن معظم وسائل الإعلام قد اعتبرت خطاب بوتين هجومياً إلا أنه في الحقيقة ليس كذلك، فالرئيس بوتين يدرك جيداً بأن الثروات الكبيرة، ومنها النفط، في الأراضي الروسية ليست خارج مساحة الأطماع الأميركية خاصة وأن الولايات المتحدة ترى في الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط مقدمة للحصول على تسهيلات في النفط الروسي وبقية الموارد الطبيعية المهمة، وهذا ما يجعل روسيا راغبة في إجهاض المشروع الأميركي في الشرق الأوسط كجزء من السياسة الدفاعية عن مصالحها.

فما يقلق روسيا حقاً هو اقتراب حلف الأطلسي من أراضيها تدريجياً، ففي أوروبا انتمت مجموعة من دول أوروبا الشرقية، العضوة سابقاً في حلف وارسو، إلى حلف الأطلسي، وفي آسيا وصل هذا الحلف إلى بعض جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق بعد احتلال أفغانستان. وقد ضاعف من حجم هذا القلق عزم الولايات المتحدة على إقامة الدرع المضاد للصواريخ في كل من بولندا وجمهورية التشيك وهو ما تعتبره روسيا تهديداً مباشراً لأمنها على الرغم من أن الولايات المتحدة تدعي بأن هذا الدرع ليس غير سد بوجه الإرهاب العالمي.

كما تشعر روسيا بأشد القلق على مصالحها في الشرق الأوسط بسبب زيادة الحشود الأميركية في منطقة الخليج العربي تحسباً لأعمال عسكرية محتملة قد تطال دولاً تُعتبر صديقة لروسيا.

إن شهر العسل الأميركي الروسي الذي بدأ إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لم يدم طويلاً، فمصالح الطرفين متباينة حول العديد من القضايا في العالم، فروسيا راغبة في العودة إلى الشرق الأوسط إلا أن أجندتها مختلفة عن الأجندة الأميركية. فالموقف الروسي يعكس تمايزاً ملموساً عن الموقف الأميركي فيما يتعلق بأسلوب التعامل مع عدد غير قليل من الملفات المهمة في الشرق الأوسط، لعل أهمها الموقف من احتلال العراق وتقرير مستقبله السياسي والموقف من المساعدات المالية للشعب الفلسطيني والموقف من البرنامج النووي الإيراني. وتتميز المواقف الروسية في هذه القضايا بقدر من المرونة تجعلها مقبولة لدى شعوب المنطقة أكثر من المواقف الأميركية المتشنجة.

وقد كان لخطاب الرئيس بوتين ردود فعل أميركية فورية غاضبة، فقد وصف السيناتور جوزيف ليبرمان الخطاب بأنه كان «استفزازياً»، مشيراً إلى أنه أكثر اقتراباً في لهجته من «لغة الحرب الباردة»، في حين أشار متحدث بلسان بوتين معلقاً على ما ورد في الخطاب «إنها ليست دعوة للمواجهة وإنما دعوة للتفكير». أما وزير الدفاع الأميركي غيتس فقد صرح لاحقاً بأن «واشنطن عازمة على تطوير قدراتها العسكرية لمواجهة موسكو»، مما حدا بوزارة الخارجية الروسية الطلب من واشنطن توضيح موقفها من تصريحات غيتس.

وقد جاء خطاب بوتين هذا في وقت مناسب تماماً لروسيا لتحقيق بعض المكاسب المهمة في الشرق الأوسط، حيث تواجه الإدارة الأميركية الكثير من المتاعب، أبرزها:

1ـ زيادة عزلة السياسة الأميركية ليس في الشارع الأميركي فحسب، بل في المؤسسة السياسية الرسمية نفسها، الكونغرس الأميركي، بعد سيطرة الديمقراطيين على مجلسيه.

2ـ زيادة عزلة السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط بعد أن فشلت الولايات المتحدة في العراق فشلاً ذريعاً، ففشلت بذلك في تقديم الصورة البراقة التي حرصت على تسويقها لشعوب المنطقة حول الشرق الأوسط الجديد الذي يرفل في حلة ديمقراطية مبهجة.

3ـ تزايد المخاطر على السلم في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص جراء التوجهات الأميركية التي تستبعد الحوار الدبلوماسي البناء لصالح التصعيد في المواقف والتهديد باستخدام القوة وعدم التردد في الذهاب إلى الحرب، ويعتبر زيادة الوجود العسكري الأميركي في الخليج مؤشراً مهماً على ذلك.

كما يأتي هذا الخطاب كمقدمة لزيارة تاريخية قام بها الرئيس الروسي لعدد من الدول العربية، لم يقم بزيارتها رئيس روسي في السابق خاصة بعد أن زالت مبررات العزلة الدولية التي فرضت على روسيا كجزء من الإتحاد السوفييتي السابق بسبب حساسية الخلافات الفكرية والعقائدية مع بعض دول العالم العربي والعالم الإسلامي، ولا شك أن جولة الرئيس الروسي في منطقة الشرق الأوسط سيتمخض عنها بناء علاقات اقتصادية تسمح بزيادة

حجم الصادرات الروسية إلى المنطقة، كما قد تتمخض عن تعاون على مستوى أعلى من ذلك بكثير خاصة بعد أن عرض الرئيس بوتين على القادة السعوديين استعداد موسكو للتعاون النووي معها، ويأتي هذا العرض بعد أن أعربت دول مجلس التعاون الخليجي مؤخراً عن رغبتها في البدء باستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.

من مميزات النظام العالمي الجديد أن الخطوط غير المرئية التي قسمت العالم في الماضي إلى معسكرات مستعدة للانقضاض على بعضها البعض لم تعد في عالم اليوم مبنية على أسس عقائدية تنبثق عنها إستراتيجيات سياسية وعسكرية وجغرافية متخندقة خلف متاريس شاهقة، كما كان الحال أبان حقبة الحرب الباردة، وإنما أصبحت مبنية على أسس المصالح الاقتصادية فقط، وهي أسس تسمح بالانفتاح على الفضاءات الإقليمية والدولية، وهي تتطلب أن يتحلى قادة الدول الكبرى بميزة القدرة على رؤية العالم بمنظار جديد يُقرب البعيد وليس العكس.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae