بين عين الرمانة 1975، وعين علق 2007، واحد وثلاثون عاماً بالتمام والكمال قضى منها لبنان خمسة عشر عاماً في حرب طاحنة خرج منها أطلالاً وركاماً، بعد أن كان مضرب المثل في الجمال والتقدم والازدهار حتى سمي بـ «سويسرا الشرق» يوماً، وشرفة العالم العربي على الثقافة والحرية.

في تفجير العام 1975، كان معروفاً من فجر الحافلة في عين الرمانة والتي كان أغلب ركابها من الفلسطينيين، فقد كان الصراع على أشده بين الميليشيات التي جرت لبنان لحربه الطائفية، كان هناك ميليشيا سعد حداد، وحزب الكتائب والفصائل الفلسطينية، والكل يكره الكل.. والكل يريد لبنان له وحديقة خلفية لمنزله يمارس فيها حفلة شوائه الخاصة ويدعو إليها من يشاء من أصدقائه.

مشكلة لبنان الكبرى أنه بلد صغير جداً مليء بأطياف من التيارات السياسية والمذهبية والطائفية، مشكلته أنه لا يستطيع وليس بإمكانه ولا بإمكان أحد فيه أن يحوله إلى حديقة خلفية لمنزله، مشكلة لبنان أو ربما قدره أنه منزل للجميع وبالتساوي، وهذا ما يرفضه الجميع للأسف، ولذلك فإنهم لن يخرجوا من حلقة العناد الأحمق التي يدورون فيها، أقصد السياسيين الذين يدعون حب لبنان على كل الفضائيات!

تفجير عين الرمانة عام 1975 أودى بحياة ما يقارب الـ 25 مدنياً، لكنه زج لبنان في حرب أهلية بشعة لمدة خمسة عشر عاماً، واليوم تأتي تفجيرات عين علق لتقتل ثلاثة وربما خمسة مدنيين في منطقة مسيحية صرفة، وفي ظل أوضاع سياسية محتقنة، وحكومة مأزومة، وبلد محطم خارج لتوه من حرب طاحنة حطمت جهود بناء وتعمير سنوات ما بعد الحرب.

ويبقى السؤال: هل تكون هذه التفجيرات آخر الأسلحة على الساحة اللبنانية الصامدة حتى هذه اللحظة أمام محاولات الزج بها في أتون حرب أهلية ثانية؟ هل ستكون القشة الأخيرة المرشحة لكسر القشرة الظاهرية للبنان الرافض فكرة الدخول في مجهول الحرب مرة ثانية؟، وإذن فلماذا كانت التفجيرات، وفي عين علق المسيحية تحديداً وقبل 24 ساعة من الذكرى الثانية والحاشدة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري؟

الإجابات كثيرة، ولا شيء ثابت كالاختلاف في لبنان، كما أن الجرائم كثيرة ولا شيء يبقى مجهولاً في لبنان كمرتكبيها، فلا جريمة منذ اغتيال الحريري ـ وما أكثرها ـ تم كشف فاعليها، كل الجرائم قيدت ضد مجهول، فمن هو هذا المجهول يا ترى؟ وهل هو مجهول واحد أم أنه مجاهيل مختلفة؟ هل قاتل الحريري هو نفسه قاتل جبران تويني وسمير قصير وجورج حاوي ومفجر سيارة مي شدياق وحافلات عين علق وبيار الجميل و....؟

الأكيد في كل هذا الظلام والمجهول أن هناك من له مصلحة كبيرة في استنساخ الوضع العراقي في لبنان بناء على معطيات لبنانية مساعدة، وهناك من له مصلحة في عدم استقرار الوضع في لبنان، وفي عدم ازدهار وحرية وتقدم لبنان، هناك أطراف لبنانية تقدم خدمات لوجستية لهؤلاء، فلبنان مخترق بشكل واضح وفاضح، لكن الأكيد أيضاً أن هناك حرصاً لبنانياً لدى الكثيرين، نراهن على أنه سيفوت على أعداء لبنان مشروع تدميره!

sultan@dmi.gov.ae