من باب الرشد التاريخي، أبدع النرويجيون ما أسموه «صندوق الأجيال القادمة». الفكرة هنا أن النرويج دولة غنية بالنفط مصدرة له، ولأن هذه السلعة آيلة للنضوب في أرض تعد ميراثاً لكل أبنائها بأجيالهم، فان الجيل الحالي لا ينبغي له احتكار عوائدها وحده. وعليه، اهتدى العقل الجمعي النرويجي إلى نظرية توريث الأجيال المقبلة ما يخصهم من هذه العوائد عبر هذا الصندوق، بهذه المنهجية، تساوت أجيال النرويجيين في التمتع بأهم موارد البلاد بأثر حالي ومستقبلي.

ترى هل يصح استلهام المنهجية ذاتها فيما يتعلق بتوريث القضايا الوطنية وأعباء النضال التحرري؟.هل يجوز توزيع هذه الأعباء بين الأجيال بحيث يتوقف جيل معين عند نقطة كفاحية معينة على مضمار التحرر، إذا ما أعيته الوسيلة وعاكسته المعطيات، تاركاً للجيل الذي يليه استكمال المهمة أو استئنافها في ظروف مغايرة ربما تكون أكثر مواتاة له؟!.

الواقع أن هذا السؤال جال بخواطر الفلسطينيين (وبعض العرب) على مدار الصراع مع الغزوة الصهيونية. وفي هذا الإطار، كانت هناك دوماً دعوة إلى تجزئة التصدي لهذه الغزوة على مراحل، تضطلع بها الأجيال وفقاً للظروف والمحددات وموازين القوى المحيطة بها.

وقد استندت هذه الدعوة إلى بعض العبر التاريخية في معالجة هكذا صراعات وغزوات .. فقديماً استهلك النطاق العربي الإسلامي نحو مئتي عام في الكر والفر قبل أن يستأصل أخر ممالك الفرنجة في فلسطين وجوارها. وفي وقت ليس ببعيد، سلكت حركات التحرر العربي، والعالم ثالثي عموماً، دروب الحكم الذاتي والتدرج على سلم الاستقلال، إلى أن بلغت قمته.

لقد كانت هذه الدفوع حاضرة في خطاب القوى السياسية الفلسطينية التي انغمست في عملية التسوية منذ ما يزيد على ثلاثين عاما، حين اشتقت ما عرف عام 1974 بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير. وعندما أبرمت اتفاق أوسلو وأنشأت سلطة الحكم الذاتي بعد عشرين عاماً آخرين، راحت تستدعي المنطق ذاته.و تعتقد هذه القوى أن الجيل الحالي، بإمكاناته ومواهبه وجهوده ومعادلات القوة وأنماط التحالف والشرعيتين الإقليمية والدولية المحيطة به، لا يمكنه تحصيل أكثر من دولة في حدود 1967، بدايتها الحكم الذاتي. ومع ذلك، يهمس فريق من الضالعين في هذا المنطق بأن الأجيال اللاحقة قد يكون لها رأي آخر.

المثير أن المستعصمين بالثوابت الفلسطينية ودفع ظلامة المشروع الصهيوني بكل الوسائل بما فيها المقاومة المسلحة، لا يكفون بدورهم عن الاعتماد على الأجيال القادمة وما قد تبدعه في هذا السبيل. لكن لهذا الفريق ، الذي تتصدره أجنحة التيار الإسلامي، منطلقاته المختلفة.. فأصحابه يشيرون بالفعل إلى ما ينتظر الأبناء والأحفاد من مهمات، غير أنهم لا يتخذون من هذا التصور ذريعة لتقديم تنازلات جوهرية للمشروع الصهيوني من شأنها بنظرهم قطع الطريق على الأجيال القادمة وإغلاق باب الاجتهاد الكفاحي أمامهم.

هذا ما يفهم مثلا من عرض حركة حماس (وحكومتها) للهدنة التي لا تعني الصلح النهائي مع إسرائيل. لا تريد حماس إذاً تسوية بالمفهوم الإستراتيجي في المرحلة الحالية، تقررها موازين القوى المائلة لصالح التحالف الاستعماري الصهيوني. فعملية كهذه ستمنع إبداعات الأجيال القادمة وتصادر المستقبل من طرف الجيل الحالي أو من جانب بعض قواه التي تعبت من المواجهة.

والحق أن هذه الرؤية تنطوي على طوباوية واضحة، لكنها لا تحلق تماماً في الخيال. ذلك لأن جيل الآباء والأجداد عمل بهديها عندما رفض ما عرض عليه من حلول استراتيجية تنتقص من حقوقه التاريخية، وتحمل جراء ذلك عناءً ربما كان أكبر مما يعانيه الجيل الحالي.

المراد أن ما يراود حماس في هذه الأيام لا يجافي تقاليد بعض أبرز زعماء الفلسطينيين في مراحل سابقة، حين فضلوا عدم حرق مراكب النضال خلفهم أو أمامهم. تشهد بذلك مقولة تحمل هذا المعنى باح بها الحاج أمين الحسيني لبعض المقربين. ويقيناً نستطيع أن نستلهم الدرس ذاته من سيرة أحمد الشقيري مؤسس منظمة التحرير. ومع أن ياسر عرفات كان أميل إلى نهج التسوية الاستراتيجية، إلا أنه توقف عند حدود صارمة فيما يتعلق بقضيتي اللاجئين والقدس، معتبراً أنه لا يملك تقرير مستقبلها الذي يخص أجيالا من الفلسطينيين والعرب والمسلمين بالمفهوم التاريخي.

من أراد في كل حال تسوية قضية اجتماعية تاريخية ممتدة ومعقدة بحجم قضية فلسطين، يسعه معالجتها على مراحل تاريخية متتالية، غير أن مقاربة كهذه تستدعي الحذر الشديد في الخطوات المتبعة كي لا يخطئ بعض الذين قدر لهم صناعة السياسة في مرحلة معينة، فيتركوا لخلفائهم ميراثا لا يمكنهم من مراكمة مكتسبات أخرى. وأغلب الظن أن التذرع بنظرية تسليم الأجيال راية القضية يمسي عندئذ تنصلاً من المسؤولية وهروباً إلى المجهول ومحاولة للترجل العاجل من المسيرة الوطنية بثمن بخس.

للإنصاف، ينبغي الاعتراف بالصعوبات الماثلة أمام مسؤولي الجيل الحالي إذا ما استمزجوا تطبيق هذه النظرية حتى مع مراعاة مقتضياتها.. فمن ناحية، هناك عدم الاتفاق الداخلي الفلسطيني بشأن أهداف الحركة الوطنية ووسائلها في المرحلة الحالية. وهناك من ناحية ثانية، وعي العدو بهذه النظرية وتحسبه منها، وهذا واضح من إصراره على إملاءات بعينها بين يدي عملية التسوية، كالاعتراف التاريخي القانوني النهائي بإسرائيل من كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني نيابة عن كل الأجيال الفلسطينية وإلى الأبد.

وهناك ثالثاً، ظاهرة انحدار الظهير العربي من سيئ إلى أسوأ، بما يحبط الآمال في زمن آخر يستعيد فيه هذا الظهير عافيته ويردف الأجيال الفلسطينية القادمة بزاد نضالي أقوى مما هو متاح للجيل الحالي!.

لا ريب أن هذه الصعوبات ونحوها تعزز منطق ومخاوف المرجفين بضرورة التوقف عند معطيات اليوم، خشية توريث الأبناء ما هو أكثر سوءاً. هذا يعني أن علاقة الأجيال الفلسطينية بهموم التحرر ليست بالبساطة التي يتصورها البعض. فهي بحاجة لتبصر بعيد الغور.من مفارقات التاريخ أن نرويجيي اليوم سيورثون أبناءهم صندوقا به إلى الآن نحو 250 مليار دولار يينما قد يرث فلسطينيو الغد تركة تنوء بحملها الجبال !

كاتب وأكاديمي فلسطيني