حدثني أحد الأصدقاء العرب المقيمين في إحدى الدول الأوروبية ذات مرة عن ارتفاع درجة الوعي الاستهلاكي في الدولة التي يقيم فيها، وعلى الرغم من ذلك شهدت تلك الدولة قبل مدة ليست بالبعيدة حملة لزيادة الوعي الاستهلاكي لدى المواطنين، بحيث لا يشتري الفرد أو العائلة إلا بمقدار الحاجة فقط، وأن يكون لدى الجميع تقدير تقريبي لمقدار هذه الحاجة فلا يفيض شيء من المشتريات ويكون نصيبه سلة النفايات.
وأذكر أن الشاعرة العربية الراحلة فدوى طوقان أشارت في مذكراتها إلى هذه الخصلة الإيجابية لدى «الإنجليز» في زيارتها لإنجلترا في ستينيات القرن الماضي، وقالت: «وعيٌ استهلاكيٌ عجيب يتمتع به الإنجليز. كل الإنجليز. وهو وعي قلما عرفناه نحن العرب.
هذا ما لاحظته خلال إقامتي في إنجلترا؛ كل شيء مقدَّر ومحسوب مهما قلّت قيمته المادية، وكلمة (تبذير) موجودة فقط في القاموس الإنجليزي، أما عمليًا فلا أثر لها في حياتهم. تقف المرأة الإنجليزية بدكان البقالة لتطلب نصف خيارة، حبة دراق، حبة بندورة، ربع فرخة، فلا تشتري أكثر مما يكفيها».(رحلة جبلية، ص186).
وإذا نظرنا إلى هذين الموقفين وقارنّاهما بسلوك أي أسرة خليجية، أو إماراتية على وجه الخصوص، من الطبقة المتوسطة في المجتمع، سنجد فرقًا كبيرًا بين مستوى الوعي الاستهلاكي في الغرب، ومستواه عندنا نحن العرب، وأنا أتخذ هنا من المجتمع الإماراتي مثالا، ويمكن أن نقيس عليه الدول الخليجية التي نشترك وإياها في كثير من العادات والتقاليد، بما فيها من سلبيات وإيجابيات.
إننا نعيش الحالة الشرائية بنظرة مختلفة عن النظرة التي يعيش بها الغرب تلك الحالة، إذ نتحرك من منطلقات تختلف عنهم، وتدفعنا دوافع كثيرة ومختلفة تحثنا على شراء المزيد، والإكثار والتنويع وعدم وضع سقف من أي نوع من شأنه أن يعرقل الحالة الشرائية، لذلك يدخل أحدنا المحل ولا يخرج إلا وقد اشترى ما يضمن أنه لن يترك حيزًا صغيرًا فارغًا في سيارته.
إننا في حاجة للذهاب إلى أسواق الخضراوات واللحوم والأسماك وإلى الجمعيات التعاونية أو غيرها لنتزوّد منها بما نحتاجه من مواد غذائية بمقدار حاجة العائلة، لكننا حين نبدأ في الشراء ننسى أننا نشتري لعائلة واحدة، ونظن أن علينا أن نشتري للحيّ كله، أو للقبيلة كاملة، أو لضيوف متوقعين قد يأتون وقد لا يأتون، وعلى هذا فإننا نشتري كل ما تقع عليه أعيننا وبكميات خيالية.
ونجد آثار هذا في غرف تخزين الطعام في المنازل، وكذلك على موائد العائلة في الوجبات اليومية الثلاث، وفي ولائمنا، وأعراسنا، وحفلاتنا، ورحلاتنا، وفي كل تجمعاتنا التي يكون الطعام عنصرًا أساسيًا حاضرًا فيها. وليس هذا موضع ذم وانتقاد إن كان لهذا الطعام أفواه تأكله، وأجساد تتغذى عليه.
ولكن المشكلة هي في عدم وجود من يأكل كل هذا الطعام لأسباب عدة، منها على سبيل المثال أن كمية الطعام تفوق عدد المتحلّقين حول المائدة بأضعاف كثيرة، ومنها أيضًا أن في كل منزل يوجد شخصان على الأقل يعانون من بعض الأمراض التي أصبحت منتشرة في المجتمع الإماراتي مثل الضغط والسكري وغيرهما من الأمراض التي تحرم الشخص المبتلى بها من أن يأكل من الطعام ذاته الذي يأكل منه الأصحاء، فيقلّ العدد الفعلي للمتحلّقين حول وجبة الطعام الممتدة أمامهم تنتظر من يأكلها.
ويبدو أن أزمة الوعي الاستهلاكي مرتبطة عندنا ببعض التصورات التي تشكلت لدينا في وقت ما وأصبحت الآن جزءًا من سلوكنا وناتجًا طبيعيًا لطريقة تفكيرنا فيها، ومن هذه السلوكيات يمكن الحديث عن المبالغة في الكرم، أو المبالغة في التظاهر بالكرم، ومنها ارتباط الكرم بالتبذير، ومنها الميل إلى مجاراة الآخرين، ثم تطور هذا السلوك إلى الرغبة في التفوق عليهم. ولنا في الواقع أمثلة كثيرة تمثل مبررات تدفعنا دائمًا للمزيد من الشراء بما يتضمنه من غياب الوعي الاستهلاكي الذي يكشف في كثير من الأحيان والمواقف عن قصور نظر.
ومن أمثلة العبارات التي نرددها دائمًا في سياق تبريرنا لكثير من المبالغات في الشراء لدرجة قد تصل حدّ التبذير قولنا: «الخير كثير لماذا نبخل على أنفسنا؟»، أو قولنا: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث}، متناسين قوله عز وجل: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}.
ومن أمثلة العبارات التبريرية هذه قولنا في سياق إظهار الكرم البالغ، أو التظاهر به: «منزلنا عامر بالناس دائمًا، ولا نريد أن ينقص شيء»، وهذه العبارة لا تعني فقط الضروريات، إنما تعني كل ما يمكن أن يخطر على قلب بشر سواء كان ضروريا أو غير ضروري.
ومن عباراتنا التبريرية التي لا تكشف فقط عن قصور في إدراك عواقب قلة وعينا الاستهلاكي، بل تكشف أيضًا عن خلل في طريقة تفكيرنا عامة قول البعض: «عائلة فلان فعلت كذا وكذا وكذا، ونحن لسنا أقل منهم، ولا نريد أن نبدو كذلك». وهذه العبارة التبريرية تكشف أن الكرم أحيانًا يكون من باب الرغبة في التفوق على الآخرين الذين قد يكونون كرماء بطبيعتهم، أو قد يكون كرمهم في مكانه فعلا، ولكن تفسير الآخرين لهذا الكرم يتخذ اتجاهًا مختلفًا.
وإن سئل أحد الناس عن مصير الطعام الفائض فإن الرد غالبًا ما يكون عبارة عن إقامة موازنة سريعة وخالية من المنطق كالتالي: «أن يزيد الأكل أفضل من أن ينقص، (فضيحة) لو نقص شيء»، ولكن ماذا عن الأكل الفائض؟ طبعًا الجواب جاهز دائمًا كالعادة: «نعطيه لأي أحد محتاج، أو نعطيه للمواشي، وأحيانًا نرميه والله يسامحنا!».
إن قلة الوعي الاستهلاكي لدى شريحة كبيرة من الناس في المجتمع تؤدي إلى إهدار الكثير من الطعام دون فائدة. وكثير من الناس لا يعرفون بالفعل كيف يتصرفون في الطعام الفائض، ويكتفون بقولهم: «نأكل منه ما نحتاجه، والباقي ندبره»، لكن كيف يُدبَّر؟ الله أعلم!
ويظل التداخل قائمًا بين الإسراف والكرم، وبين الاقتصاد والبخل، ويكتسب الإسراف ـ بناء على هذا التداخل ـ دلالة إيجابية بكل المقاييس، لذلك فهو مفضل على الاقتصاد الذي يصبح ذا دلالة سلبية، وهذا ما يتطلب تنظيم حملات كثيرة ومكثّفة من الجهات المختصة لرفع مستوى الوعي الاستهلاكي بين أفراد المجتمع الإماراتي، وبيان أهميته، ونتائجه الإيجابية على المدى الطويل.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com